العِزّة… الأقوى أم المال والسلاح؟
بقلم: خليفة الشرقي

منذ فجر الوعي الإنساني، ظلّ سؤال القوة مطروحًا: من الأقوى؟ أَصاحب المال، أم مالك السلاح، أم أن هناك قوّةً أعمق لا تُقاس بالأرقام ولا تُختزل في الترسانات؟
المال يفتح الأبواب بوداعة الذهب، والسلاح يفرض الصمت بخشونة الحديد، لكن العِزّة وحدها تفتح القلوب دون أن تطرقها، وتفرض الهيبة دون أن تُشهر سيفًا…
في منطق المادة تبدو الإجابة سهلة: من ملك أكثر كان أعزّ. لكن التاريخ إذا أُنصتَ إليه بهدوء يبتسم لهذه البساطة؛ فكم من قوىٍ ملأت الأرض ضجيجًا ثم ذابت كأنها لم تكن…
المال قد يُسلب، والسلاح قد يُهزم، أما العِزّة فإذا سكنت الروح صارت حصنًا لا يُقتحم. العِزّة ليست صلابةً جافة، بل شموخٌ مغموس بالود. هي أن تكون كريم النفس، ثابت المبدأ، لا تنحني للذل… ولا تتعالى على البشر. هي تواضع أمام الحق، ورفعة أمام الباطل…
ومن هنا يجيء الدين ليضع النور في قلب المعنى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
العِزّة ليست ما نصنعه نحن، بل ما نهتدي إليه حين نتصل بالمصدر الأعلى. فمن انتسب إلى العزيز اكتسى من عزّته، ومن استغنى به استغنى عن إذلال العالم له. ولهذا كان المؤمن عزيزًا حتى في فقره، لأن قلبه ممتلئ، لا يطلب قيمته من جيبٍ ولا من سيف…
والفلسفة حين أخلصت لجوهرها قالت المعنى نفسه بلغة أخرى: الأقوى ليس من يغلب الناس، بل من يغلب نفسه. الذي لا تحكمه شهوة، ولا تُرعبه خسارة، ولا تُغريه سلطة. تلك هي العِزّة حين تتجلى حكمةً داخلية…
والتاريخ بصفحاته الطويلة يقدّم أمثلةً تتحدث بوداعة العارفين:
بدأت الحضارات الكبرى بالقوة والعقل:
الإمبراطورية الرومانية امتدت قرونًا، وسيطرت بعلمها ونظامها، لكنها سقطت حين تآكلت الوحدة الداخلية، وانهارت الروح وسط البذخ والصراعات الداخلية.
أما الإمبراطورية الفارسية، فقد كانت عظيمة بالعلم والإدارة، لكنها ذابت عندما غاب عنها العدل والتماسك الروحي، فانهارت أمام جيوشٍ أصغر لكنها أقوى معنويًا…
ثم جاءت الدولة العباسية فازدهرت لأن السلطة تصافحت مع العلم، فصارت بغداد قلبًا يضيء لا سيفًا يبطش، لكن حين تفرّق المعنى في الداخل، بدأ الجسد يضعف حتى سقط…
وفي الأندلس الإسلامية بلغ الجمال الحضاري ذروته؛ علم وفن وتسامح وعمران. كانت العِزّة هناك عِزّة روح قبل أن تكون عِزّة حكم، لكن حين تمزّقت الوحدة، ذبل الفردوس وسقطت مدنه كزهور فقدت ماءها…
ثم قامت الدولة العثمانية قويةً بانضباطها ورسالتها، فلما جمدت حركتها، وأثقلها الزمن، بدأ التراجع الهادئ…
وعلى مسرحٍ آخر، سادت الإمبراطورية البريطانية بقوة البحر والصناعة، ثم أعادت تعريف نفسها حين تبدلت موازين العالم…
أما الولايات المتحدة فهي اليوم في ذروة القوة المادية، لكنها ككل قوةٍ في التاريخ تمضي داخل امتحان التوازن بين النفوذ والقيم، بين الغلبة والمعنى…
فالتاريخ لا يهمس بعداء، بل يعلّم بود: أن دوام العلوّ ليس لأحد، وأن العِزّة إن غابت عن الروح لا يحفظها ذهبٌ ولا حديد…
الخلاصة أن المال والسلاح يصنعان نفوذًا، لكن العِزّة تصنع إنسانًا. والإنسان هو الذي يصنع الحضارة أو يُسقطها. فإذا حضرت العِزّة صار المال رحمة، وصار السلاح حماية، وإذا غابت… تحوّل المال خوفًا، وتحوّل السلاح بطشًا، وسقطت الإمبراطوريات ولو بلغت عنان السماء…
يبقى السؤال الهادئ الذي يطرقه القلب قبل العقل: ما قيمة أن تملك العالم… إن لم تملك كرامتك؟ العِزّة إذن ليست أقوى من المال والسلاح فحسب، بل هي الروح التي إن سكنت الإنسان صار قويًا بودّه… عزيزًا بإنسانيته… شامخًا دون أن يجرح أحدًا…
خاتمة واقع الأمة العربية
اليوم، نقف أمام حقيقة مؤلمة: الأمة العربية في حالة انهيار كامل، فقدت كثيرًا من عزتها وقوتها التي كانت لها على مرّ العصور. لا الأموال وحدها، ولا السلاح، ولا النفوذ يمكن أن يعيدها إلى مكانتها إذا غابت العِزّة الحقيقية في النفوس…
لا مجال للنهوض إلا باستعادة العِزّة والكرامة أولاً؛ بالعودة إلى المبادئ، بالاتصال بالمعنى الأصيل للوجود، بالتمسك بالقيم التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع الدولة. فمن فقد عزته الداخلية فقد كل شيء، ومن استعادها سيستعيد القوة والاحترام والقدرة على بناء حاضرٍ أفضل…
فكما علمتنا الحضارات السابقة، القوة بلا عِزّة مجرد غربة في العالم، والعظمة بلا كرامة مجرد صدى خاوي. العِزّة إذن ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء والنهوض، ومنبع أي قوة حقيقية للأمة
والخاتمة تقول:
ليستِ العِزّةُ تاجًا من ذهب…
بل نورٌ يسكنُ الجبين.
ليست سيفًا يُشهر في الوجوه…
بل سكينةٌ لا تنحني.
قد يملكُ الناسُ خزائنَ الأرض… ويَفقدون أنفسهم،
وقد يسيرُ عزيزُ الروحِ خفيفَ اليدين… فتَنجلي لهُ القلوب.
فإذا سألوك: أينَ تسكنُ القوّة؟
فقل: في قلبٍ امتلأ حقًّا… فاستغنى، فعَزَّ