تطبيق الغاز يخنق المواطن ويطفئ أفران الرزق والمطاعم
عصام حسين الحديثي

في بلد يفترض أن تكون فيه الخدمات الأساسية سهلة المنال تحولت قنينة الغاز أبسط احتياجات الأسرة إلى رحلة شاقة تبدأ بتطبيق على الهاتف ولا تنتهي إلا بانهاك المواطن ماديا وجسدياً.
فبين ما تعلنه الجهات الرسمية من سعر مدعوم لا يتجاوز خمسة آلاف دينار وما يعيشه المواطن فعليا على الأرض فجوة واسعة يدفع ثمنها يوميا.
ان التطبيق الذي أطلقته وزارة النفط جاء تحت عنوان (التنظيم والتحول الرقمي) لكنه في التطبيق العملي فرض واقعاً أكثر تعقيداً فالمواطن لم يعد يتلقى القنينة عند باب منزله كما كان الحال مع الوكيل الجوال بل أصبح مطالباً بتحميل التطبيق والحجز ثم نقل القنينة بنفسه إلى محطة الغاز التي تبعد عن سكنه عدة كيلومترات وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية: أجور نقل انتظار ازدحام وصعوبة في حمل القنينة من داخل المحطة إلى الشارع ثم البحث عن وسيلة تعيده إلى منزله.
والنتيجة سعر فعلي يتجاوز عشرة آلاف دينار للقنينة الواحدة أي ضعف السعر الرسمي تقريبا مع هدر واضح للوقت والجهد وهكذا تحول الدعم إلى كلفة إضافية وتحولت الخدمة إلى عبء يومي.
لكن الصورة الأشد تظهر في قطاع الأعمال الصغيرة وتحديداً المطاعم والأفران هذه المشاريع لا تعتمد على قنينة أو اثنتين بل تحتاج إلى ما لا يقل عن اكثر عشرين قنينة شهرياً لتستمر ومع القيود التي فرضها التطبيق وصعوبة تأمين هذه الكميات بشكل منتظم وجد أصحاب هذه الأعمال أنفسهم أمام خيارين: تقليص النشاط وخسارة الزبائن أو إغلاق الأبواب بالكامل وقد اختار بعضهم الإغلاق فعلا بعد أن أصبح الغاز وقود العمل غير متوفر بالوتيرة المطلوبة.
ولا يمكن تجاهل جانب أكثر خطورة في هذه الأزمة وهو ما تقوم به أفران الخبز والصمون والمعجنات التي يفترض – وفق التعليمات – أن تستخدم النفط الأبيض كوقود مخصص لها ضمن حصص محددة إلا أن العديد منها اتجه إلى استخدام قناني الغاز بدلا من ذلك وتجاهل الاجهزه الرقابية عن الافران جعل الازمة تتفاقم.
فالفرن الواحد يستهلك يومياً ما لا يقل عن سبع قناني غاز أي ما يقارب (210) قنينة شهرياً وهو رقم كبير إذا ما قورن بحصة العائلة العراقية المحدودة هذا الاستنزاف يفاقم أزمة توفر الغاز ويزيد الضغط على السوق ويعمق معاناة المواطن الذي يبحث عن قنينة لسد حاجته اليومية.
ومن هنا فإن إلزام هذه الأفران باستخدام النفط الأبيض المخصص لها ليس مجرد إجراء تنظيمي بل خطوة ضرورية لتخفيف الضغط على مادة الغاز وتوفير كميات أكبر للعوائل العراقية.
هذه التداعيات لا تتوقف عند حدود صاحب المطعم أو الفرن بل تمتد إلى العمال الذين فقدوا مصادر دخلهم وإلى السوق المحلية التي بدأت تتأثر بنقص الإنتاج وارتفاع الأسعار وبذلك يتحول قرار إداري إلى أزمة معيشية متشعبة تمس شرائح واسعة من المجتمع.
الأمر لا يتعلق برفض التكنولوجيا بل بطريقة تطبيقها فالتحول الرقمي الحقيقي يجب أن يبنى على واقع الناس لا أن يفرض عليهم بمعزل عن ظروفهم.
ثم ماذا عن كبار السن؟ ماذا عن العوائل التي لا تملك وسيلة نقل؟ ماذا عن العمال الذين لا يملكون الوقت لقضاء ساعات في التنقل والانتظار؟ هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة.
إن التجربة الحالية تظهر بوضوح أن إلغاء دور الوكيل الجوال كان قراراً متسرعاً، لأنه أزال حلقة كانت تسهل الوصول وتختصر الوقت والجهد والحل لا يكمن في التراجع الكامل عن التنظيم بل في إيجاد صيغة متوازنة تجمع بين الرقابة الحكومية وسهولة الخدمة.
يمكن على سبيل المثال ربط التطبيق بالوكلاء أنفسهم بحيث تسلم القناني إلى المنازل بالسعر الرسمي مع ضمان الشفافية ومنع الاستغلال.
الخلاصة ليس المطلوب من المواطن أن يتكيف مع قرارات تزيد أعباءه بل المطلوب أن تتكيف القرارات مع واقعه فحين يصبح الحصول على قنينة غاز معركة يومية فالمشكلة ليست في المواطن بل في الآلية.
ونأمل من الجهات المعنية مراجعة هذه التجربة سريعا فإن “التطبيق” لن يبقى مجرد وسيلة تنظيم بل سيتحول إلى عنوان لمعاناة يومية يدفع ثمنها الجميع من داخل البيت إلى داخل الأفران والمطاعم والطبقة العاملة.