الثقافة والفن

ظل امرأة في باريس — الجزء الرابع

بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

 

 

 

أحببتُ،
وكان هذا الحب
رزنامةً بأيامٍ فاسدة،
شطبتُ الصباح،
وألغيتُ المساء؛
كأنني أُعيد ترتيب الزمن
ليوافق خسارتي.

في باريس، لا تموت الأشياء…
إنها تتبدّل فقط.
تصير الأرصفة ذاكرةً تمشي،
والمقاهي شهودًا صامتين
على قلوبٍ جلست هنا… ثم رحلت.

كنتُ أمرّ من أمام الزجاج ذاته
الذي انعكس فيه وجهي ذات شتاء،
فلا أتعرف إليّ.
امرأةٌ تشبهني،
لكنها أكثر تعبًا… وأقلّ انتظارًا.

العناق الفارغ يذيب أضلعي،
كأنني أحتضن هواءً له ملامحك،
وأصدّق—للحظة—
أن الغياب يمكن أن يُخدع.

لكن الحقيقة كانت أبرد من ذلك؛
كنتُ أذوب…
لا لأنك هنا،
بل لأنك لم تعد.

أنا التي
لم تمتلك من الزمن إلا ليلَه،
كنتُ أقتات على بقاياك:
رسالةٌ لم تُرسل،
صوتٌ لم يكتمل،
وحلمٌ انكسر قبل أن يستيقظ.

كانت الليالي في باريس طويلة،
لا لأنها تمتد،
بل لأنها تُعيد نفسها
كجرحٍ يتعلّم كيف ينزف بهدوء.

في الغرفة الضيقة،
حيث النافذة تطلّ على لا أحد،
كتبتُ اسمك مرةً… ثم مسحته.
ليس لأنني نسيت،
بل لأنني تعبتُ من التذكّر.

تعلمتُ أخيرًا
أن بعض الأسماء
لا تُكتب لتُحفظ،
بل لتُمحى… كي ننجو.

وفي آخر الليل—
حين يتعب الظلّ من مرافقتي،
أقف وحدي،
أواجه امرأةً لا أعرفها جيدًا،
تسألني بصوتٍ يشبهك:

“هل كان حبًا… أم عادةً من وجع؟”

فأصمت—
لأن الإجابة،
في كلتا الحالتين،
كانت أنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار