المحلية

الإنسان وأقفالُه… صندوق أسود… صندوق أبيض

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

ليس الإنسان كائنًا مكشوفًا بالكامل… بل هو كيانٌ محاط بأقفالٍ خفية، لا تُرى لكنها تُحَس… أقفالٌ على الذاكرة… وأخرى على الألم… وأخرى على ما لا يريد أن يُقال…

هذه الأقفال ليست علامة ضعف… بل شكلٌ من أشكال الحماية الداخلية التي يتعلمها الإنسان مع الزمن… حين يكتشف أن كل ما يُقال لا يُفهم كما أُريد له أن يُفهم… وأن بعض البوح قد يجرح أكثر مما يداوي…

وفي جوهر التجربة الإنسانية… لا تُفتح هذه الأقفال عبثًا… ولا تُغلق بلا سبب… بل تتحرك بين الفتح والإغلاق وفق ميزانٍ دقيق من الثقة والوعي والوقت… كأن الداخل الإنساني يعرف متى يتكلم… ومتى يصمت…

في ميزان الدين… يتجلى هذا المعنى في قيمة الستر… قال رسول الله ﷺ: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»… فالستر هنا ليس إخفاءً للحقيقة… بل حفظٌ لكرامة الإنسان من التبذل والانكشاف المؤذي…

وفي القرآن الكريم دعوةٌ إلى صيانة النفس والمجتمع من التشهير وسوء الظن… ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾… وكأن النص يضع حدودًا دقيقة بين المعرفة المؤذية… والمعرفة الرحيمة…

أما الفلسفة… فقد رأت في الصمت أحيانًا حكمة… وفي انتقاء الكلام نضجًا… فليس كل ما يُعرف يُقال… وليس كل ما يُشعر به يُعلن… لأن الإنسان ليس مرآةً مفتوحة للعالم… بل كيانٌ يحتاج إلى مسافةٍ آمنة بين داخله وخارجه…

وتفتح هذه الأقفال حين يصبح البوح ضرورة لا ترفًا… حين يكون الكلام شفاءً لا فضيحة… حين يجد الإنسان قلبًا لا يحاكمه… بل يفهمه…

لكنها تُغلق من جديد حين يتحول الكلام إلى عبء… أو حين يُساء فهم الصدق فيتحول إلى جرح… هنا يعود الإنسان إلى صمته… لا هروبًا من الحياة… بل حفاظًا على ما تبقى من اتزانه…

غير أن الناس ليسوا سواءً في أقفالهم…

فداخل كلِّ إنسانٍ صندوقٌ أسود… لا يُفتح إلا بإذنٍ من روحه… ولا يُكشف ما فيه إلا حين تأمن النفس من الجرح وسوء الفهم…

لكن عند بعض البشر… لا يكون الصندوق أسود تمامًا… بل أبيضَ شفافًا… تتسرّب منه الأسرار دون استئذان… لا ضعفًا… بل صفاءً يغلب القدرة على الإخفاء…

وهؤلاء لا يُجيدون الأقفال… ولا يتقنون الحجب… لأن قلوبهم خُلقت بيضاء أكثر مما يحتمل هذا العالم…

ولذلك… لا يُقاس صدقهم بما يُخفون… بل بما لا يستطيعون إخفاءه…

وهؤلاء… لا يحتاجون نصحًا بقدر ما يحتاجون حماية… لا من أنفسهم… بل من قسوة الآخرين…

فهم يُجرحون بسهولة… لأنهم لا يملكون دروعًا كافية… ولا يتقنون الشكّ…

ومع ذلك… يفيح عطرهم أينما ذهبوا… كأن أرواحهم لا تعرف إلا أن تُعطي…

هم فراشاتُ حدائقَ بشرية… لا يمنحهم المكان رحيقًا… بل يهدون المكان عطرًا…

وإذا نظرنا إلى ما حولنا في عالم الحيوان والطير… وجدنا أقفالًا من نوعٍ آخر… أكثر فطرية… وأقل تعقيدًا…

فالحيوان لا يملك صندوقًا أسود يخفي فيه ما يشعر… لكنه يملك قفل الغريزة…
يفتح عند الجوع… فيبحث… ويُغلق عند الشبع… فيهدأ…
يفتح عند الخطر… فيفرّ أو يقاتل… ويُغلق عند الأمان… فيستكين…

وفيه قفل الحذر…
كالغزال الذي لا يشرب إلا وهو يقظ…
والقطّ الذي لا ينام إلا إذا اطمأن…
قفلٌ لا يمنع الحياة… بل يحفظها…

أما الطيور… فلها أقفالٌ أكثر رهافة…

قفل العشّ… حيث لا يُسمح بالاقتراب… لأنه سرُّ البقاء…
وقفل الهجرة… حيث تُغلق مرحلة وتُفتح أخرى بدقةٍ عجيبة… كأنها تهتدي ببوصلةٍ لا تخطئ…
وقفل الصوت… فلا تغرّد إلا لمعنى… وتصمت حين لا يكون للصوت ضرورة…

وأجمل ما في أقفال الحيوان والطير… أنها لا تُستخدم للخداع…
لا يُخفون ما لا يشعرون… ولا يُظهرون ما ليس فيهم…
أقفالهم للحماية… لا للتمويه…

ولذلك… تبدو حياتهم أكثر صفاءً…
ما يُفتح عندهم صادق… وما يُغلق عندهم صادق…

أما الإنسان… فمشكلته ليست في كثرة أقفاله…
بل في اختلال توقيتها…
يفتح ما يجب أن يُصان…
ويُغلق ما يحتاج أن يُقال…

وفي دائرة القرب الإنساني… تبقى الأم والحبيبة أقرب ما يكونان إلى فضاء الأمان… حيث يُسمح للبوح أن يكون أكثر صدقًا ودفئًا… فالأم تستقبل الضعف دون أن تُسقط القيمة… والحبيبة الناضجة تشارك الداخل… لا تحاكمه…

ومع ذلك… حتى في أقرب العلاقات… لا يُلغى الداخل الخاص تمامًا… بل تبقى هناك مساحة صامتة لا تُقال… لا لأن الحب ناقص… بل لأن الإنسان كامل التعقيد…

ويبقى هناك قفلٌ واحد… لا يُغلق أبدًا… بل يُترك مشرعًا على السماء…

لأن الإنسان حين يقف أمام خالقه… لا يحتاج إلى حماية من الفهم… ولا إلى خوف من الحكم… هناك فقط يكون كما هو… ضعفه مكشوف… وألمه مكشوف… ورجاؤه مكشوف… لأن السماء لا تجرح ما يُقال لها… بل تحتضنه برحمةٍ أوسع من اللغة…

وهكذا… يبقى الإنسان بين قفلٍ يُفتح بحكمة… وقفلٍ يُغلق بحكمة… وبابٍ واحدٍ مشرعٍ على المطلق…

وبين هذه الثلاثية… تتشكل إنسانيته الحقيقية…
لا ببوحٍ مطلق…
ولا بصمتٍ قاسٍ…
بل بتوازنٍ دقيق… بين ما يُقال وما يُصان…
وبين ما يُخفى… وما يُرفع إلى السماء…

غير أن الفرق العميق…
أن الحيوان والطير يولدان ومعهما مفاتيح أقفالهما… فلا يخطئان التوقيت… ولا يعبثان بالفطرة…
أما الإنسان… فيولد بأقفالٍ أكثر… ومفاتيح أقل…

ولذلك…
تكون رحلته في الحياة… ليست في جمع الأقفال…
بل في تعلّم متى يفتح… ومتى يُغلق…

ومن لا يتعلم ذلك…
يعيش مكشوفًا حين يجب أن يستتر…
وصامتًا… حين يكون البوح نجاة…

أما من أدرك سرّ التوازن…
فقد اقترب من فطرته الأولى…
حيث لا خداع… ولا تكلّف…
بل صدقٌ نقي… يشبه الطير حين يهاجر…
ويشبه الحيوان حين يطمئن…
ويشبه الإنسان… حين يفتح قلبه للسماء…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار