المقالات

الكفر يدوم… لكن الظلم لا يدوم

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

 

 

ليست هذه العبارة دعوةً إلى قبول الكفر، ولا تهاونًا في شأن العقيدة… بل هي قراءةٌ عميقة في سنن الله التي تحكم بقاء المجتمعات وسقوطها… فالله لم يجعل بقاء الأمم مرهونًا بادّعائها الإيمان، بل بمدى تحقق العدل فيها… لأن العدل هو القانون الذي تنتظم به الحياة، وتستقيم به العلاقات، وتُصان به الكرامات…

ومن هنا تتجلى حكمةٌ أخرى تُكمل المعنى وتُضيء عمقه… فالكفر في جوهره بين الإنسان ونفسه… علاقةٌ داخلية تتصل بالقلب والاعتقاد، وحسابها عند الله… أما الظلم فهو بين الإنسان والناس… يخرج من دائرة الفكر إلى واقع الفعل، فيُصيب الحقوق، ويكسر التوازن، ويترك أثره في المجتمع كله…

في الفلسفة، يُنظر إلى العدل بوصفه أساس العقد الاجتماعي… ذلك الخيط الخفي الذي يربط الفرد بالجماعة، ويجعل الإنسان يقبل بالتنازل عن بعض حريته مقابل أن يعيش في نظامٍ يحميه… فإذا غاب العدل، انفرط العقد، وعاد الإنسان إلى فوضاه الأولى… حيث لا قانون إلا القوة، ولا ميزان إلا الغلبة…

أما في الدين، فالعدل ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب… بل هو أمرٌ إلهي مطلق… وقد جاء في القرآن الكريم ما يرسّخ هذه القاعدة حين أمر الله بالعدل حتى مع المخالف… لأن العدالة ليست موقفًا عاطفيًا، بل التزامٌ مبدئي يعكس حقيقة الإيمان… فالإيمان الذي لا يُثمر عدلًا هو إيمانٌ ناقص الأثر، مهما علا صوته بالشعارات…

ولهذا، لم يكن غريبًا أن تبقى أممٌ لا تؤمن، لكنها تُقيم العدل بين أفرادها… بينما تسقط أممٌ ترفع راية الدين لكنها تظلم الإنسان… فالله لا يحابي أحدًا في سننه… ومن أقام العدل أقام له الله أسباب البقاء، ومن نشر الظلم عجّل لنفسه أسباب الزوال…

الظلم لا يدوم… لأنه اعتداءٌ على فطرة الإنسان… تلك الفطرة التي خُلقت لتبحث عن الحق، وترفض القهر… وقد تصبر طويلًا، لكنها لا تستسلم إلى الأبد… وحين تبلغ لحظة الانكسار، تتحول إلى قوة تغيير لا تُقاوم… فتسقط أعتى الأنظمة، وتنهار أقسى البنى… وكأن التاريخ يعيد نفسه ليقول: إن الظلم مهما طال، فهو مؤقت…

ومن زاويةٍ أعمق… فإن الظلم يحمل في داخله بذور فنائه… لأنه يُفسد القلوب، ويُضعف الثقة، ويُحوّل المجتمع إلى كيانٍ هشٍّ من الداخل… فإذا جاءت أول صدمة، انهار البناء كله… بينما العدل يبني في صمت، ويُرسّخ في النفوس طمأنينةً تجعل المجتمع أكثر قدرةً على الصمود…

وهنا تكتمل الصورة… فالكفر، وإن كان خطيئةً عظيمة، يبقى في دائرة العلاقة بين العبد وربه… وقد يُمهل الله صاحبه، ويفتح له باب الهداية ما دام حيًا… أما الظلم، فهو جرحٌ مفتوح في جسد المجتمع… لا يُغتفر أثره إلا بردّ الحقوق أو بالعفو… ولذلك كان أسرع في الهلاك، وأشدّ في العاقبة…

إنها ليست مجرد عبارةٍ تُقال… بل قانونٌ إلهي وفلسفي معًا… يختصر مسيرة الإنسان منذ فجر التاريخ… ويضع أمامنا ميزانًا واضحًا: إن أردت البقاء، فأقم العدل… وإن سلكت طريق الظلم، فاعلم أنك تسير ولو ببطء نحو نهايتك والمجتمع في هاوية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار