أسوار القمر
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي

لم تكن المرآة يومًا لصًا للوجوه.
كانت فقط تعيد إلينا تلك الملامح التي حاولنا إخفاءها في جيوبنا، الملامح التي تعبنا من إنكارها، فتركتها الذاكرة معلّقة بين الحقيقة والتظاهر.
وقفتُ أمامها طويلًا، أفتش في وجهي عن شيءٍ ضاع، أو ربما عن شيءٍ لم يكن موجودًا أصلًا.
ثم التفتُّ إلى تلك الساعة المعلّقة على الجدار. لم تكن تقيس الوقت كما تفعل الساعات عادة، بل كانت تقضم أصابع الذين يرقبون الباب، أولئك الذين ينتظرون قدوم أحدٍ لن يأتي.
لم أجد مهربًا سوى الورقة البيضاء.
تلك الساحة التي تبدأ فيها المعارك الصامتة، حيث الكلمات ليست جملًا عابرة، بل جثثٌ خلّفتها نوبة صدقٍ عابرة.
كانت تقول له دائمًا، وهي تتأمله بشيءٍ من الحيرة:
المثير للدهشة أن تكون فلسفتك حزينة، ووجهك مشوش، ومع ذلك تحب الصباح ولا يفوتك السهر. قلبك يغلي، وأفعالك باردة.
كان يبتسم ابتسامةً صغيرة، ثم يرد بصوتٍ خافت كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
كيف لها… أن تترك في داخلي كل هذا الارتباك الجميل؟
كأنها قصيدة لا تُنسى.
جاءت هادئة كهدوء الليل، وغامضة كحرفٍ مبهم، لكنها مثل الياسمين تحمل عطرًا لا تحمله بقية الأزهار.
كانت تخفض عينيها وترد بخجل الصغيرات:
بيننا سرّ لا يُرى…
يُقاس بنبضٍ يعرف طريقه بلا دليل.
حضورك فكرة تسكنني، تكملني دون أن تُرى.
كأنك صلاة خفية، تملأني سلامًا كلما حضرت.
أنت المعنى الذي يُعاش صمتًا،
ونورٌ لا تُبصره العين…
بل تعرفه الروح.
في تلك اللحظة، مدّت يدها بهدوء وأدارت زرّ المسجّل.
انبثقت من الغرفة أغنية ماجدة الرومي، بصوتها الذي يشبه اعترافًا طويلًا:
“اسمعني حين يراقصني… كلمات ليست كالكلمات.”
كانت الموسيقى تملأ المكان ببطء، كأنها تحاول أن تفسّر شيئًا عجزت الكلمات عن قوله.
نظر إليها طويلًا، بينما الضوء الخافت يتسلل من النافذة.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن بعض العلاقات لا تحتاج تعريفًا واضحًا، ولا وعدًا صريحًا.
فبعضها يُبنى مثل أسوارٍ من نور…
تشبه أسوار القمر:
نراها من بعيد،
لكننا لا نعرف إن كنا سنصل إليها يومًا.