أسوار القمر – الجزء الثاني
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي / مصر

لم تنتهِ الليلة عند ذلك الحدّ.
ظلّ صوت الأغنية يتردّد في الغرفة كأن الجدران نفسها تحفظه. ومع كل مقطع، كان الصمت بينهما يكبر… لا كجدار، بل كسرٍّ يخشى أن يُقال.
أطفأت المصباح القريب، وبقي الضوء الفضيّ القادم من النافذة يرسم على وجهها ظلالًا خفيفة، كأن القمر نفسه يحاول أن يصغي لما لم يُقَل بعد.
قالت فجأة، بصوتٍ لم يشبه صوتها المعتاد:
— أتعرف؟ أخاف من الأشياء التي تبدو جميلة أكثر مما ينبغي.
رفع رأسه نحوها باستغراب:
— ولماذا؟
تنهدت ببطء، كأنها تسحب اعترافًا من أعماقها:
— لأن الجميل… لا يبقى دائمًا.
ساد صمتٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليجعل قلبه يضرب بعنف.
شعر أن هناك جملة أخرى تختبئ خلف كلماتها، جملة أثقل من أن تُقال بسهولة.
اقترب خطوة، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها هادئة:
— ماذا تخفين عني؟
نظرت إليه طويلًا… ذلك النظر الذي يشبه الوداع دون أن يعترف بأنه وداع.
ثم قالت:
— أحيانًا… تأتي الأشياء في حياتنا متأخرة.
متأخرة لدرجة أن القلب يعرفها… لكن القدر لا يسمح لها بالبقاء.
ارتبك.
لم يفهم إن كانت تتحدث عن فكرة، أم عن حب، أم عن نهايةٍ بدأت قبل أن يدرك بدايتها.
في تلك اللحظة، عاد صوت ماجدة الرومي من المسجّل أكثر وضوحًا، وكأن الكلمات تتدخّل في الحديث:
“لو كنتَ صديقي…”
ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
— هل ترى؟ حتى الأغاني تعرف كيف تترك الجملة ناقصة.
أراد أن يقول شيئًا… أي شيء.
لكن الكلمات التي كانت قبل دقائق تتدفق بسهولة، أصبحت ثقيلة كالحجارة.
فجأة، التفتت إلى النافذة، حيث القمر يعلو فوق البيوت القديمة.
قالت بصوتٍ خافت:
— هل تصدّق أن القمر نفسه محاط بأسوار؟
نظر إليها بدهشة:
— أي أسوار؟
أجابت:
— أسوار الضوء…
نراه قريبًا جدًا، لكننا لا نستطيع الوصول إليه.
ثم التفتت إليه، وكانت عيناها تلمعان بدمعة لم تسقط بعد:
— بعض الناس… يشبهون القمر.
وفي تلك اللحظة، فهم أخيرًا ما لم تكن قادرة على قوله.
لم تكن تخاف من الحب…
بل من اللحظة التي يصبح فيها الحب جميلًا… ومستحيلًا في الوقت نفسه.