المقالات

الاحتضان… لذّةُ رحمةِ الله من البيضة إلى الروح كيمياءُ الرحمة من العشّ إلى الإنسان

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

الاحتضانُ عند الطيور لا يبدأ بعد الفقس…
بل يبدأ قبل أن تُرى الحياة…

حين تنامُ الطيورُ على بيوضها…
لا تحتضنُ قشورًا صامتة…
بل تحتضنُ الحياةَ وهي فكرة…
نبضًا لم يكتمل…
وجناحًا لم يتكوّن بعد…

تجلسُ الأمُّ ساعاتٍ طويلة…
ساكنةَ الجسد… يقِظةَ الغريزة…
تمنحُ البيوضَ حرارةً محسوبة…
وتغمرُها بإحساسِ أمانٍ صامت…
حاميةً لها من الأذى…

العلمُ يقولُ إن حرارةَ الاحتضان تُعجِّل التفقيس…
لكن الحقيقةَ الأعمق…
أن الطمأنينةَ نفسها تُعجِّل الحياة…

وهنا يعملُ هرمونُ البرولاكتين…
هرمونُ الرعايةِ والملازمة…
يرفعُ صبرَ الطائر…
ويجعله يجدُ لذّةً هادئةً في احتضانِ البيوض…
كأنّ الحياةَ التي تحته… تُغذّي سكونه الداخلي…

من احتضانِ البيضة… إلى احتضانِ الفِراخ

حين تنكسرُ القشرة…
لا ينتهي الاحتضان… بل يبدأ طورُه الأدفأ…

تخرجُ الفِراخُ ضعيفةً…
فتمتدُّ أجنحةُ الأمِّ والأبِ سقفًا من الرحمة…

تضمُّها الأم…
تدفئُها…
تحجبُ عنها الخطر…

ويستمرُّ البرولاكتين دافعًا سلوكَ الحماية…
لكن مشهدَ الاحتضان هنا يزدادُ حميميّة…
وتظهرُ لذّةُ العطاء في سكونِ الطائر وطمأنينته…

الاحتضانُ عند الإنسان… حين تتّسع الدائرة

والإنسانُ يبدأ احتضانُه قبل الولادة…
في رحمِ الأم…
حيث يكونُ الجنينُ محتضنًا بوجودٍ كامل…

ثم يولد…
فيستبدلُ احتضانَ الرحم… باحتضانِ الذراعين…

وحين يُضمُّ الطفل:
يهدأُ بكاؤه…
ينتظمُ نبضُه…
وينامُ مطمئنًّا…

هنا تتدفّقُ هرموناتُ الحب:

الأوكسيتوسين → رابطُ الحبّ والأمان
الإندورفين → لذّةُ السكينة وراحةُ العطاء

فيشعرُ الطفلُ بالأمان…
ويشعرُ المحتضِنُ بالسعادة…

احتضانُ الروح… الأرقى

لكنّ الاحتضانَ لا يتوقّفُ عند الجسد…

فأعمقُ احتضان…
أن تحتوي روحًا متعبة…
أن تضمَّ قلبًا حزينًا بكلمة…
أن تمنحَ إنسانًا شعور: “أنا معك”…
ذلك احتضانٌ بلا أذرع…
لكنّه أشدُّ دفئًا…

اكتمالُ السيمفونية… الدوبامين

وحين يطولُ الاحتضان…
ويتحوّلُ العطاءُ إلى فرحٍ داخلي…
يظهرُ التوقيعُ الأخير:
الدوبامين… هرمونُ المكافأة والبهجة…
هو الذي يجعلُ الأمَّ تبتسم وطفلُها نائمٌ بين ذراعيها…
ويجعلُ الطائرَ يلازمُ بيوضَه بلا ضجر…

وكأنّ اللهَ لم يجعلِ الرحمةَ تضحيةً موجعة…
بل جعلها لذّةً… بل لذيذة…

وخلاصةُ الحديث:

من البيضةِ في العشّ…
إلى الفرخِ تحت الجناح…
إلى الطفلِ في الذراع…
إلى الروحِ داخلَ الروح…

يمتدُّ الاحتضانُ سرًّا واحدًا…

تعملُ فيه الهرمونات:
برولاكتين للرعاية…
أوكسيتوسين للحب…
إندورفين للسكينة…
دوبامين للفرح…
لكنّ جوهرَه الأعمق…
يبقى… الرحمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار