المقالات

في محكمة الأحوال الشخصية بمدينة الصدر… حينما تنتصر الأخلاق على ضغط العمل المبرمج علي كريم انموذجآ

عدنان راشد القريشي

 

 

               

 

في صباحٍ اعتيادي من صباحات بغداد المزدحمة وبين معاملات تتكدس وملفات تنتظر أختامها الأخيرة قصدت محكمة الأحوال الشخصية في مدينة الصدر لغرض تجديد القسامات الشرعية الخاصة بوالدي رحمهما الله

كانت مراجعة اعتيادية من حيث الإجراء لكنها لم تكن اعتيادية من حيث الأثر الذي تركته في نفسي

منذ اللحظة الأولى كان المشهد مألوفآ  مراجعون ينتظرون طوابير تمتد على طول الممرات أسئلة تتكرر ووجوه يعلوها القلق خشية تأخير أو نقص في مستمسك وبعد سلسلة من المراجعات الروتينية أُشير علي بالتوجه إلى شعبة أرشيف القسامات الشرعية لمتابعة سير المعاملة

هناك، في إحدى القاعات الواسعة التي تضج بالحركة كان الطابور طويلاً والضغط واضحاً على الموظفين عشرات المراجعين يقفون بانتظار دورهم، وكلٌّ يحمل بين يديه أوراقاً تختصر حكاية عائلة أو إرث أو حقٍّ ينتظر التوثيق. في مثل هذه الأجواء، كثيراً ما تبهت الابتسامة ويعلو التوتر ويغيب الصبر.

إلا أن ما شهدته كان على النقيض تماماً.

خلف المكتب جلس الأستاذ علي كريم مبرمج الحاسبات والمسؤول عن إصدار القسام الشرعي. شاب هادئ القسمات ثابت النبرة يستقبل المراجع بابتسامة صادقة ويردّ السلام بأفضل منه، ويصغي للسؤال وكأنه يسمعه للمرة الأولى رغم تكراره عشرات المرات في اليوم الواحد

لم يكن الأمر مجرد أداء وظيفي بل كان سلوكاً إنسانياً متكاملاً كان يشرح الإجراءات بتأنٍ ويوضح النقاط الغامضة دون تبرم ويعيد المعلومة لمن لم يفهمها، وكأن الصبر جزء من مهامه الرسمية. لم يرفع صوته، لم يُشعر أحداً بضيق، ولم يتعامل بفوقية أو استعجال رغم وضوح حجم الضغط وكثرة المراجعين.

في كثير من دوائر الدولة، اعتدنا – مع الأسف – على مشهد الوجوه المتجهمة، والردود المقتضبة، وربما تجاهل السلام أحياناً. حتى أصبح المراجع يدخل بعض المؤسسات وهو مهيأ نفسياً لاحتمال الجفاء قبل إنجاز المعاملة. غير أن ما رأيته هنا أعاد التوازن إلى الصورة، وأثبت أن الخلل ليس في طبيعة العمل الحكومي، بل في طريقة أدائه.

الأستاذ علي كريم قدّم نموذجاً عملياً لمعنى أن يكون الموظف العام خادماً للناس بحق، وأن تكون الوظيفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجباً إدارياً. فالمراجع لا يحتاج فقط إلى ختمٍ وتوقيع، بل يحتاج إلى كلمة طيبة تطمئنه، وإلى تعامل يحفظ كرامته، وإلى موظف يشعره بأن معاملته ليست عبئاً بل أمانة.

لقد كان لأسلوبه أثر واضح على أجواء الشعبة بأكملها؛ فحين يكون الموظف هادئاً ومحترماً، ينعكس ذلك على المراجعين أنفسهم، فيسود النظام ويقل التوتر. وهنا تتجلى حقيقة بسيطة: الأخلاق ليست قيمة فردية فحسب، بل أداة فاعلة لتحسين بيئة العمل وجودة الخدمة.

إن الإشادة بهذا النموذج ليست مجاملة شخصية، بل دعوة صادقة إلى ترسيخ ثقافة التعامل الإنساني في جميع مؤسساتنا نطمح أن يكون “الموظف المناسب في المكان المناسب”

قاعدة عامة، وأن تتحول المهنية المقرونة بالأخلاق إلى معيار تقييم حقيقي للأداء

نقف باحترام وتقدير أمام هذا السلوك القويم الذي ينم عن تربية أصيلة وإحساس عالٍ بالمسؤولية ونتمنى أن يحذو الجميع حذو هذا النموذج المشرق فالمؤسسات لا ترتقي بأنظمتها فقط بل ترتقي بسلوك أبنائها

وفي الختام  قد ينسى المراجع عدد المرات التي عاد فيها لإكمال إجراءٍ ما وقد ينسى تفاصيل الانتظار لكنه لا ينسى أبداً ذلك الموظف الذي عامله بإنسانية واحترام

وهنا في أروقة محكمة الأحوال الشخصية بمدينة الصدر كان للأخلاق صوت أعلى من ضجيج الطوابير وكان للإنسانية حضور لا ينسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار