المقالات

بين زيف الشعارات ومرارة الواقع: من يصنع الخراب؟

كتب: مهند الصالح

 

 

 

 

 

تفيض الأبيات المتقدمة بصورٍ رمزية لواقعٍ مختلّ الموازين؛ واقعٍ قد يعتلي فيه ظهرَ الجياد ذبابٌ، ويقود أسرابَ الصقور غرابٌ، ويسود في المجالس من لا يملك من السيادة إلا مظهرها، مرتديًا حُلل النفاق، متدثرًا بشعاراتٍ برّاقة تخفي خلفها خواء الفعل وغياب الصدق. إنها لوحة شعرية تختصر مشهدًا سياسيًا واجتماعيًا تتبدل فيه القيم، فيرتفع الأدعياء، ويُقصى الأكفاء، ويصبح الحرّ فردًا بلا أنصار.

هذا الانقلاب في المعايير لا يولد صدفة، بل تصنعه بيئةٌ تُحسن صناعة الرموز الزائفة، وتمنح الثقة لمن لا يستحقها، ثم تتساءل بدهشة: من أين جاء الخراب؟ فالخراب لا يهبط علينا فجأة، بل يتسلل حين نُسلِّم زمام أمرنا لمن لا يُؤتمن، ونُغمض أعيننا عن التناقض بين القول والفعل.

لقد سمعنا طويلًا تنظيراتٍ حول “الإزاحة الجيلية” وتجديد الدماء في العمل السياسي، وضرورة تمكين الشباب وإفساح المجال أمام الطاقات الجديدة. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض من رفعوا هذا الشعار هم أنفسهم من تمسكوا بالمقاعد، وأصرّوا على الترشح لمجلس النواب بعد تجاوزهم الثمانين من العمر. فأين هي الإزاحة التي بشروا بها؟ وأين هو الالتزام الأخلاقي بما نادوا به؟ إن الفجوة بين الخطاب والممارسة هي أول مسمار في نعش الثقة العامة.

الأدهى من ذلك أن بعضهم صرّح بأنه “مقاول تفليش” لا سياسي، في اعترافٍ يختزل طبيعة الأداء القائم على الصفقات لا على الرؤى، وعلى الهدم لا على البناء. فكيف يُستغرب بعد ذلك أن تتراجع المؤسسات، وأن تتآكل هيبة الدولة، وأن تتعمق الفجوة بين المواطن ومن يتصدرون المشهد باسمه؟

إن التجني والافتراء سلوكٌ لا يقل خطورة عن سوء الإدارة. وحين يُتهم شخصٌ أو جهة بعدم الالتزام دون بيّنة واضحة، فإن ذلك يندرج ضمن تصفية الحسابات السياسية أكثر مما يندرج ضمن النقد الموضوعي. وفي هذا السياق، فإن ما يُثار من اتهامات بحق خميس الخنجر بعدم الالتزام يحتاج إلى قراءة متأنية، تستند إلى الوقائع لا إلى الانطباعات، وإلى المواقف الموثقة لا إلى الحملات الإعلامية. فالاختلاف السياسي مشروع، أما تشويه السمعة فليس من أدوات العمل الوطني الرشيد.

إن المسؤولية لا تقع على السياسيين وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الذي يصنع من الحمقى قادة، ثم يلعن النتائج. فالمحاسبة تبدأ من صندوق الاقتراع، ومن وعيٍ جمعي يرفض إعادة تدوير الوجوه ذاتها التي أخفقت، ويرفض كذلك الانجرار وراء شعارات لا تجد طريقها إلى التطبيق.

في المحصلة، الخراب ليس لغزًا غامضًا، بل نتيجة طبيعية لسلسلة من الخيارات الخاطئة، والثقة في غير محلها، والتغاضي عن التناقضات الصارخة. وما لم تُستعد المعايير، ويُقدَّم الكفء على المدعي، ويُحاسَب المقصر أيا كان اسمه أو موقعه، فإن دورة الخلل ستستمر، وسنبقى نردد السؤال ذاته: من أين أتى الخراب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار