المقالات

المأزق الاستراتيجي الأميركي في الحرب على إيران: حدود القوة وإشكالية الحسم

محمد ابراهيم عاصي

 

 

 

تشير غالبية التحليلات الصادرة عن مراكز التفكير الأميركية والغربية إلى مفارقة لافتة في مسار الحرب على إيران: فبينما نجحت الولايات المتحدة في تحقيق إنجازات تكتيكية وعملياتية ملموسة، خاصة في استهداف البنى القيادية والعسكرية، إلا أن هذه النجاحات لم تُترجم إلى نصر استراتيجي حاسم. هذه المفارقة تعيد طرح إشكالية كلاسيكية في الفكر الاستراتيجي تتعلق بالعلاقة بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق الأهداف السياسية، وهي الإشكالية التي عالجها كارل فون كلاوزفيتز حين اعتبر أن الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى، ما يعني أن معيار النجاح النهائي لا يُقاس بنتائج المعارك بل بمدى تحقق الغايات السياسية.
في هذا السياق، يظهر أن الرهان الأميركي على إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار السريع قد اصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث أظهرت الدولة الإيرانية مستوى عالياً من المرونة المؤسسية والقدرة على امتصاص الصدمات. هذا النمط من الصمود يتوافق مع مقاربة هنري كيسنجر التي ترى أن الدول ذات العمق التاريخي والحضاري تمتلك قدرة أكبر على إعادة إنتاج توازنها الداخلي في ظروف الأزمات. وبدلاً من إضعاف النظام، أسهمت الحرب في إعادة تشكيل النخبة الحاكمة، مع صعود تيارات أكثر ارتباطاً بالمؤسسة العسكرية، لا سيما الحرس الثوري، الأمر الذي يعزز منطق “الدولة المقاتلة” ويقلل من احتمالات التفكك الداخلي.
بالتوازي مع ذلك، برزت إيران كقوة صاروخية إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع غير تقليدية، وهو ما ينسجم مع تصور توماس شيلينغ حول “قوة الإكراه” التي تقوم على القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لفرض سلوك معين، وليس بالضرورة تحقيق تدمير شامل. كما أن الموقع الجيوسياسي لإيران، ولا سيما إشرافها على مضيق هرمز، منحها أداة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى نقل الصراع من مستوى إقليمي إلى مستوى يمس بنية النظام الدولي ذاته، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة.
في هذا الإطار، لم تكتفِ إيران بالدفاع، بل عملت على توسيع نطاق المواجهة عبر ما يمكن وصفه بالتصعيد الأفقي، أي نقل الصراع إلى مجالات وساحات متعددة، بما يعقّد حسابات الخصم ويجعل الحسم العسكري التقليدي أمراً بالغ الصعوبة. كما أن الحرب، على عكس ما كان متوقعاً، لم تؤدِ إلى عزل إيران بالكامل، بل ساهمت في تعزيز حضورها الرمزي والسياسي في بعض البيئات، وهو ما يعكس مفهوم جوزيف ناي حول “القوة الناعمة”، حيث يمكن للصمود في وجه الضغوط أن يتحول إلى مصدر للشرعية والنفوذ.
أمام هذا الواقع المركب، تجد الولايات المتحدة نفسها لا أمام خيار واحد، بل أمام طيف من المسارات المحتملة التي تتشكل تبعاً لنتائج المعركة وتوازناتها. فإمكانية اللجوء إلى إعلان “نصر سياسي” دون حسم فعلي تظل قائمة، وهو ما يتجلى في خطاب دونالد ترامب الذي يكرر عبارات من قبيل: “لقد حققنا نجاحاً هائلاً، لم يحقق أحد مثل ما حققناه”، في محاولة لإنتاج انتصار رمزي يعوّض غياب الحسم الميداني. غير أن هذا المسار، وإن نجح في احتواء الضغط الداخلي، يترك جوهر التهديد الاستراتيجي قائماً، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة والتوازن الإقليمي.
في المقابل، يبرز احتمال الانتقال إلى تسوية واقعية غير معلنة، تقوم على الاعتراف الضمني بتوازن القوى، حيث يتم احتواء إيران بدل كسرها. هذا المسار يعكس منطق المدرسة الواقعية كما صاغه كيسنجر، ويؤدي إلى نوع من “التوازن القسري” الذي يخفف من حدة الصراع دون إنهائه، لكنه يحمل في طياته كلفة سياسية داخلية للولايات المتحدة التي ستجد نفسها مضطرة للاعتراف بخصم لم تستطع هزيمته.
غير أن السيناريو الأكثر انسجاماً مع المعطيات الحالية يتمثل في استمرار حرب الاستنزاف، حيث تنجح إيران في تثبيت نمط صراع طويل الأمد يستنزف القدرات الأميركية تدريجياً، مستفيدة من قدرتها على التصعيد غير المباشر وتوسيع ساحات المواجهة. في هذا السياق، تبدو تحذيرات صن تزو ذات راهنية خاصة، إذ أن إطالة أمد الحرب قد تُفقد الطرف المتفوق ميزاته، وتحول القوة إلى عبء استراتيجي.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد خيار التصعيد العسكري الشامل، رغم كلفته المرتفعة، خاصة إذا ما سعت الولايات المتحدة إلى كسر معادلة الردع عبر استهداف البنية الاستراتيجية الإيرانية بشكل مباشر، أو عبر محاولة السيطرة على مفاصل حيوية مثل مضيق هرمز. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر الانزلاق إلى حرب طويلة ومعقدة، على غرار حرب العراق 2003، مع احتمالات توسع الصراع إقليمياً.
وفي مستوى أدنى من التصعيد، قد تستمر استراتيجية “الضغط الأقصى الذكي”، التي تقوم على مزيج من الضربات المحدودة والاغتيالات والعقوبات، وهو نهج يقترب من مقاربة بنيامين نتنياهو، إلا أن هذا الخيار، كما يشير توماس شيلينغ، قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يقترن بأفق سياسي واضح، إذ قد يدفع الخصم إلى مزيد من التصعيد بدل الردع.
إن تداخل هذه السيناريوهات لا يعكس فقط تعقيد القرار الأميركي، بل يشير إلى تحول أعمق في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث تتراجع إمكانية الحسم لصالح إدارة الصراع. وفي هذا السياق، يرى ريمون آرون أن الحروب الحديثة غالباً ما تنتهي دون انتصارات نهائية، بل بإعادة تشكيل التوازنات ضمن “سلام غير مكتمل”.
في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن أزمة بنيوية في مفهوم القوة ذاته: فالتفوق العسكري لم يعد كافياً لتحقيق النصر، بل أصبح الزمن، والقدرة على إدارة الاستنزاف، والتحكم بالسرديات، عوامل حاسمة في تحديد النتائج. وبينما تواجه الولايات المتحدة مفارقة التفوق دون حسم، تبدو إيران وقد نجحت، حتى الآن، في فرض معادلة صراع مفتوح تُقيّد خيارات خصمها وتدفعه إلى التنقل بين بدائل مكلفة، ما يجعل مستقبل الصراع مرهوناً ليس بلحظة حاسمة، بل بمسار طويل تتداخل فيه التسويات مع الاستنزاف، والتصعيد مع الاحتواء، في إعادة مستمرة لتشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار