المقالات

أوتار الذاكرة

بقلم / هدى حجاجي احمد

 

 

 

في تلك الليلة، كان البيت غارقًا في صمتٍ كثيف، كأن الجدران نفسها تخشى أن تتنفس.

جلستُ قرب النافذة أراقب المطر وهو يطرق الزجاج بإصرارٍ خافت، بينما ظلّ الكمان موضوعًا على الطاولة، وحيدًا كذكرى قديمة.

لم ألمسه منذ زمن.

لكن شيئًا ما في تلك الليلة كان مختلفًا؛ ربما الحنين، أو تلك الرعشة الغامضة التي تمرّ في القلب حين تعود الذاكرة فجأة.

مددت يدي ببطء، وحملت الكمان كما يحمل المرء سرًا قديمًا.

وعندما وضعت القوس على الأوتار، خرج الصوت أول الأمر خجولًا، كأنه يستيقظ من نومٍ طويل.

ثم…

نهَد الكمان.

لم يكن مجرد صوت موسيقى، بل أنين خافت يشبه تنهيدة قلبٍ احتفظ بالكثير من الحكايات.

وفي اللحظة نفسها، شعرت بأن أصابعي لم تعد تتحرك وحدها.

كانت تغرق في موجٍ من النغم، موجٍ يتصاعد ويهبط كأنه بحرٌ صغير يسكن الخشب والأوتار.

كل نغمة كانت توقظ ذكرى.

وجهٌ ضاع في الزمن.

ضحكةٌ بعيدة.

وعدٌ لم يكتمل.

لم أعد أعزف…

كنت أستمع فقط.

أستمع لذلك الصوت الذي خرج من أعماقي قبل أن يخرج من الكمان.

وحين انتهت المقطوعة، عاد الصمت إلى الغرفة.

لكنني أدركت شيئًا لم أفهمه من قبل:

بعض الآلات لا تعزف الموسيقى فحسب…

بل تعزف ما نخفيه في قلوبنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار