المقالات

الحمام… يعلّمنا نصف الحكمة والنصف الآخر عند الإنسان

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

 

في عالم الحمام نرى لوحةً جميلة من التعاون والوفاء بين الزوجين… فكأن الطبيعة قد كتبت على جناحيهما درسًا صامتًا في الشراكة الإنسانية. فالذكر والأنثى لا يعيشان علاقة عابرة، بل يقيمان رابطًا ثابتًا يتقاسمان فيه أعباء الحياة منذ اللحظة الأولى لبناء العش…

حين يبدأ موسم التزاوج، يجلب الذكر عيدان القش الصغيرة، بينما تنسج الأنثى منها عشًا متماسكًا… ثم تضع البيض، فيجلسان عليه بالتناوب؛ تحضنه الأنثى ليلًا ويحرسه الذكر نهارًا، وكأن بينهما ميثاقًا غير مكتوب لتقاسم المسؤولية. وحين تفقس الفراخ، لا تتكفل الأم وحدها بإطعامها، بل يشارك الأب أيضًا في إفراز ما يسمى “لبن الحوصلة” ليغذّي صغارهما… فيكبر الفرخ بين جناحين من العناية والرعاية…

إنها شراكة كاملة في بناء الأسرة… تعاون في العمل، وصبر في التربية، وحماية مشتركة للصغار… حتى ليخيّل للإنسان أن هذا الطائر الصغير قد أتقن درس الحياة الزوجية أكثر مما يتقنه بعض البشر…

لكن هذه الصورة الجميلة تحمل مفارقة لافتة… فحين تقوى أجنحة الفراخ وتتعلم الطيران، تغادر العش وتمضي في حياتها لتبني أعشاشًا جديدة… فلا برّ للوالدين ولا ملازمة لهما بعد القدرة والاستقلال… لأن عالم الحيوان تحكمه الغريزة لا القيم…

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان… فالحيوان قد يعلّمنا معنى التعاون بين الزوجين، لكنه لا يعرف معنى برّ الوالدين… أما الإنسان فقد خُصَّ بالعقل والقيم، وجُعل وفاؤه لأبويه مقياسًا لنبل أخلاقه وسمو إنسانيته… وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾…

لذلك يمكن أن نتعلم من الحمام كيف نبني العش، وكيف نتعاون في تربية الأبناء… لكن علينا نحن أن نضيف إلى هذه الحكمة ما لا يعرفه الطير: الوفاء للجذور التي خرجنا منها، والرحمة بالوالدين حين تضعف أجنحتهما بعد أن قوّت أجنحتنا…

فالطير يعلّمنا نصف الحكمة…
أما نصفها الآخر، فيكتبه قلب الإنسان حين يتذكر من علّمه الطيران …

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار