المطاردة اللطيفة
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي احمد

لم تبدأ الحكاية باعترافٍ كبير ولا برسالة طويلة، بل بدأت بشيء بسيط يكاد لا يُرى؛ تعليق صغير تحت نصٍ كتبته ذات مساء. كان تعليقًا مهذبًا، عابرًا، لكنه حمل تلك النبرة التي تجعل القارئ يشعر أن صاحبه لم يمرّ مرورًا عاديًا. بعد أيام جاء تعليق آخر، ثم رسالة قصيرة، ثم سلام خفيف يتركه ويختفي. في البداية ظننته واحدًا من أولئك القراء الذين يلوّحون من بعيد ثم تبتلعهم الزحام، لكن الرجل كان يملك صبر صيّادٍ يعرف أن المطاردة الناعمة أكثر نجاحًا من الضجيج.
استمرت محاولاته عامين كاملين؛ رسائل لا تتجاوز سطرين أحيانًا، وسؤالًا خجولًا عن نص قرأه، أو تحية صباحية لا تطلب ردًا. كان يظهر ثم يختفي، كأنه يخشى أن يربكني حضوره أكثر مما ينبغي. ومع الوقت اكتشفت أنه لا يكتفي بقراءة النصوص، بل يقرأ ما بين السطور أيضًا.
ثم بدأ الصندوق القديم يُفتح قليلًا قليلًا. أخبرني أنه أستاذ أكاديمي، وأن الحياة علّمته الصبر أكثر مما ينبغي. قالها ببساطة، ثم أضاف أنه أرمل منذ سنوات، وأن زوجته رحلت مبكرًا وتركت له طفلين هما عالمه الصغير: هاجر ويوسف. كان يتحدث عنهما بنبرة أبٍ يبتسم حتى وهو يشتكي من الفوضى التي يتركانها في البيت.
شيئًا فشيئًا صارت المطاردة أكثر دفئًا. لم يعد يكتفي بالكلمات، بل بدأ يرسل صورًا من يومه العادي. صورة له وهو يقود سيارته في طريق العمل، وأخرى من مكتبٍ تتراكم فوقه الكتب والأوراق. وأحيانًا صورة من مطبخ بيته حيث تقف هاجر تعد له الإفطار، بينما يلتقط هو الصورة كأنها مشهد عادي من فيلم منزلي. كان يرسل الصورة ويكتب ضاحكًا:
«انظري… هذه هاجر تعد الإفطار، وأنا أجلس هنا كضيف مهم».
أحيانًا كان يصوّر غرفة الطعام كاملة ثم يضيف باعتذارٍ مازح:
«لا تتفاجئي… بيتي متواضع جدًا».
كنت أضحك في سري من تلك الجملة، كأن الرجل يخشى أن تظن كاتبة بعيدة أنه يعيش في قصرٍ أكاديمي، بينما الحقيقة أنه يعيش حياة بسيطة تشبه آلاف البيوت الدافئة.
كانت الصور تصلني كرسائل صغيرة من عالمٍ لا أعرفه: يوسف يمرّ في الخلفية ضاحكًا، هاجر تلوّح من بعيد، وفنجان قهوة يبرد على الطاولة. ومع كل صورة كنت أشعر أن المسافة بيننا تضيق قليلًا، رغم أن اللقاء بيننا لم يحدث قط.
ولم يكن يخفي عن ابنته شيئًا، حتى أنا. كان يخبرها عني، عن نصوصي التي يقرأها، وعن الكاتبة التي يراسلها كل يوم تقريبًا. وذات مرة ظهرت هاجر خلفه في صورة داخل السيارة، فكتب تحتها:
«ابتسمي قليلًا… هذه الصورة ستذهب إلى صديقتنا الكاتبة».
كان يفعل كل ذلك بخفة ظلٍ تجعل المطاردة تبدو كأنها لعبة لطيفة لا أكثر. لا إلحاح فيها ولا ضجيج، فقط حضور هادئ يتسلل إلى اليوم مثل فنجان قهوة دافئ.
ومع مرور الوقت أدركت أن تلك المطاردة الصغيرة لم تكن عبثًا. كان الرجل يقترب ببطءٍ شديد، كمن يعرف أن بعض القلوب لا تُفتح بالعجلة. وكان يكتفي بأن يترك أثره في يومي: رسالة صباحية، صورة عابرة، أو جملة قصيرة يقول فيها إنه قرأ نصًا جديدًا لي وأعجبه.
وهكذا، دون أن أشعر تمامًا متى حدث ذلك، وجدت نفسي أنتظر رسائله. فالمطاردة التي بدأت بتعليقٍ خجول تحولت بهدوء إلى حضور يومي لا يغيب… حضورٍ لا يطلب شيئًا كبيرًا، سوى أن يبقى هناك، في زاوية هادئة من حياتي، يلوّح لي كل يوم بابتسامة خفيفة وصورة جديدة من عالمه الصغير.