المقالات

براءة النمر من العهر …قراءة في إسقاطات المجتمع

السعدية الفاتحي/ المغرب

 

 

 

 

 

لم يكن اللباس المنمّر يومًا مجرد قطعة قماش تحمل طبعات حيوان مفترس. إنه رمز بصري كثيف، محمّل بتاريخ طويل من الدلالات المرتبطة بالقوة، الجرأة، السيادة، والقدرة على النجاة. في الثقافات القديمة، كان جلد النمر يُرتدى من طرف الملوك والمحاربين والكهنة، باعتباره علامة على التفوق والهيبة. لكن هذا الرمز القوي تعرّض، في زمن الثقافة الرقمية السريعة، إلى انزلاق رمزي جعله ينتقل من فضاء القوة إلى فضاء الإدانة الأخلاقية ، وهذا الانزلاق لم يحدث فجأة، بل تشكّل عبر سلسلة من القراءات السطحية التي لا ترى في اللباس سوى ما تريد أن تراه. فبدل أن يُقرأ اللباس المنمّر كاختيار جمالي أو كاستعادة لرمز القوة، أصبح يُقرأ كإشارة إلى الإغواء، وكأن المرأة التي ترتديه تعلن نواياها وهنا تكمن المفارقة: الرمز بريء، لكن المجتمع يصرّ على إدانته.
إن ربط اللباس المنمّر بالعهر ليس سوى نتيجة لثقافة اعتادت مراقبة الجسد الأنثوي وتقييمه أخلاقيًا فالمجتمع لا يحاكم اللباس، بل يحاكم المرأة من خلاله. اللباس يصبح “علامة”، والعلامة تتحول إلى “اتهام”، والاتهام يُقدَّم على أنه حقيقة. وهكذا يُختزل رمز النمر، بكل قوته التاريخية، في صورة نمطية ضيقة لا علاقة لها بأصله ، وتعمل الثقافة الرقمية على تضخيم هذا الانزلاق. صورة واحدة، تعليق واحد، أو مقطع فيديو ساخر قادر على إعادة تشكيل دلالة كاملة. في فضاء السرعة، لا وقت للتفكير في أصل الرمز أو سياقه. يكفي أن تتكرر الفكرة حتى تصبح “معرفة شعبية”، حتى لو كانت خاطئة. وهكذا يتحول اللباس المنمّر إلى “علامة إغواء” في ذهن العامة، رغم أن هذا الربط لا يستند إلى أي أساس أنثروبولوجي أو تاريخي.
لكن الحقيقة أن هذا الربط يكشف أكثر مما يخفي. إنه يكشف عن توتر أخلاقي داخل المجتمع، وعن رغبة في ضبط الجسد الأنثوي عبر رموز بصرية. فحين يُنظر إلى اللباس المنمّر كعلامة على “الانفلات”، فهذا لا يقول شيئًا عن المرأة، بل يقول الكثير عن المجتمع الذي يقرأها. المجتمع هو الذي يحمّل الرمز ما لا يحتمل، ويحوّل الاختيار الجمالي إلى قضية أخلاقية.
النمر، في رمزيته الأصلية، بعيد كل البعد عن هذه الدلالات. هو رمز للقوة، لا للابتذال. رمز للسيادة، لا للانحلال. رمز للجرأة، لا للإغواء. ولذلك فإن اتهام اللباس المنمّر بالعهر هو إسقاط اجتماعي، لا حقيقة رمزية. إنه محاولة لترويض رمز قوي عبر ربطه بالعار، تمامًا كما تُروَّض النساء عبر ربط أجسادهن بالخطأ.
وهنا يصبح قولك: «النمر بريء من العهر كبراءة الذئب من دم يوسف» أكثر من مجرد استعارة. إنه تفكيك دقيق لآلية اجتماعية كاملة: المجتمع يتهم، والرمز يُدان، والمرأة تُختزل، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. اللباس المنمّر ليس سوى لباس، لكن القراءة الأخلاقية هي التي تحوّله إلى قضية.
في النهاية، المشكلة ليست في النمر، ولا في طبعاته، ولا في من ترتديه. المشكلة في القراءة السطحية التي تخلط بين الجمال والإغواء، بين الرمز والجسد، بين الاختيار والنية. وما دام المجتمع يقرأ الرموز بهذه الطريقة، سيظل يحمّلها ما لا تحتمل، وسيظل يخلق وصمات جديدة من لا شيء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار