المقالات

الأمومة بين لغز الاغتراب ولحن الحرية الزائفة

السعدية الفاتحي/ المغرب

 

 

 


حين يسافر الأبناء بعيدًا عن وطنهم، تتغير العلاقة بينهم وبين أهلهم بشكل عميق، لأن السفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو عبور رمزي إلى فضاء جديد، حيث يختبر الابن أو الابنة استقلاليته ويعيد تشكيل هويته بعيدًا عن الجذور. في هذه اللحظة، يشعر الأهل وكأنهم فقدوا جزءًا من ذواتهم، إذ يرون أبناءهم يرفضون العودة ويتبنون سلوكيات غريبة عن البيئة التي نشأوا فيها. هذا الشعور بالابتعاد لا ينبع فقط من المسافة الجغرافية، بل من المسافة الرمزية التي يخلقها الأبناء حين يقررون أن يعرّفوا أنفسهم خارج إطار العائلة والوطن.
اللقاء بعد سنوات من الغياب يكشف فجوة واسعة بين صورة الابن أو الابنة كما كانت في ذاكرة الأهل، وبين الشخص الذي صار أمامهم الآن. الأهل غالبًا يحتفظون بصورة ثابتة لأبنائهم، صورة الطفولة أو الشباب المبكر، بينما الأبناء في الغربة يتغيرون بسرعة، يتبنون عادات جديدة، ويعيدون صياغة علاقتهم بالعالم. حين يرفض الابن الرجوع إلى الوطن، لا يكون ذلك مجرد قرار عملي مرتبط بالعمل أو الدراسة، بل إعلان عن رغبة في التحرر من الانتماء القديم، وكأن العودة تعني التراجع عن استقلالية اكتسبها بشق الأنفس. وحين يتبنى سلوكيات مثل التعاطي للسكر أو الانغماس في عادات جديدة، يشعر الأهل أن أبناءهم ينزلقون إلى عالم لا يشبه القيم التي ربوهم عليها، فيتولد لديهم إحساس بالخسارة والخذلان.
لكن هذه الخسارة ليست فقدانًا نهائيًا، بل هي فقدان الصورة القديمة التي كان الأهل يحملونها عن أبنائهم. الابن أو الابنة لا يختفيان، بل يتغيران، ويعيدان تشكيل أنفسهم في سياق جديد. ما يبدو قطيعة قد يكون في الحقيقة مرحلة من إعادة التوازن بين الحرية والانتماء. كثير من الأبناء حين يبتعدون يظنون أن الحرية تعني القطيعة الكاملة مع الماضي، لكن مع مرور الوقت يكتشفون أن الحرية الحقيقية هي في التوازن بين الانتماء والاختيار الشخصي، وأن الجذور ليست قيدًا بل سندًا.
إعادة الأبناء إلى حضن العائلة لا تكون بالقوة ولا بالضغط، بل بالاحتواء والصبر. الأهل يستطيعون أن يبقوا جسرًا مفتوحًا، يقدمون الحب بلا شروط، ويتركون الباب مفتوحًا للعودة. الحوار الصادق، غير الاتهامي، هو الوسيلة الأهم: أن يقول الأهل لأبنائهم إنهم قلقون عليهم لأنهم يحبونهم، لا لأنهم يريدون السيطرة عليهم. هذا النوع من الخطاب يفتح بابًا للعودة التدريجية، ويجعل الأبناء يشعرون أن البيت ليس قيدًا بل سندًا، وأن العودة لا تعني فقدان الحرية بل استعادة التوازن.
الزمن يلعب دورًا أساسيًا في هذه الرحلة. كثير من الأبناء يعودون لاحقًا إلى جذورهم، لكن بصورة أكثر نضجًا، بعد أن يختبروا العالم ويكتشفوا أن البيت ليس قيدًا بل مصدر قوة. الأمومة والأبوة في زمن الاغتراب هي امتحان للصبر والحنان، امتحان لقدرة الأهل على إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، حيث الحب يصبح لغة مشتركة تتجاوز المسافات والاختلافات.
ما يبدو خسارة ليس قدرًا محتومًا، بل هو دعوة لإعادة التفكير في معنى الانتماء والحرية. الأبناء قد يبتعدون، لكنهم يظلون دائمًا جزءًا من العائلة، والبيت يظل دائمًا بيتًا ينتظرهم. الأمومة في زمن الاغتراب ليست فقدًا، بل هي رحلة جديدة، فيها الألم والقلق، لكنها أيضًا فرصة لإعادة اكتشاف الحب في صورته الأعمق: حب بلا شروط، حب يصبر حتى يعود الابن أو الابنة إلى الجذور، ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار