قصة قصيرة/ظلُّ امرأةٍ في باريس
بقلم: الكاتبة الروائية هدى حجاجي احمد

لم تكن باريس رحيمة بي كما تخيلت.
جئت إليها أحمل قلبي كما يحمل المسافر حقيبةً أثقل مما يبدو، ظننت أن المدن الكبيرة تعرف كيف تضمّد جراح الغرباء، لكنها تركتني أمشي في شوارعها الطويلة كمن يبحث عن شيء ضاع منه قبل أن يصل.
لم آتِ من أجل باريس.
جئتُ لأبحث عن ظل امرأة.
في المساء الأول وقفت على ضفة النهر. كانت الأضواء تتكسّر فوق الماء مثل ذكرياتٍ لا تستقر، والعابرون يمرون كأنهم صفحات تُقلب بسرعة. كل الوجوه كانت عابرة… إلا وجهًا واحدًا ظل ساكنًا في ذاكرتي.
وجهها.
لم تكن امرأة عادية.
كانت فكرةً أكبر من اللغة.
كلهم وزنوا الوجد بالمواقف واللقاءات،
أما أنا فوزنته بارتعاشة الروح حين يمر اسمها، وبذلك التبعثر الغريب الذي يجعلني غريبًا عن نفسي.
كلما حاولت أن أكتبها… تفلت من أصابعي.
كأنها خُلقت لتبقى أبعد من الكلمات.
هكذا وجدتني أسافر إلى باريس حاملاً أوجاعي في قلبي.
الخطوات كانت تسرع بي كأنها تعرف طريقًا لا أعرفه، حتى رمتني في سهلٍ بعيد تحت ظل جبلٍ صامت. جلست هناك أكتب قصيدة حزينة، ثم تتبعها أخرى… ثم أخرى.
كان الحزن نهرًا لا ينتهي،
والقصائد مجرد محاولات صغيرة لإيقاف فيضانه.
لكن الصمت اعتادني…
وأنا اعتدت الصمت.
وذات ليلة، حين كانت السماء تمطر بخفة، رأيتها.
كانت تمشي في الشارع المقابل بفستانٍ أحمر، بدا خجولًا من ملامحة شاعر. انعكست الأضواء على القماش كشرارات صغيرة، وبدت لي فجأة كرقصةٍ أخيرة تحت رموش الوداع.
وقفت أراقبها من بعيد.
في داخلي كان طفل يريد أن يركض نحوها ويقول: لا ترحلي.
لكن العاشق في داخلي كان أكثر هدوءًا… وأكثر وجعًا.
كان يعرف أن بعض النساء لا يُمسكن،
بل يمررن في القلب كأغنية حزينة.
خطواتها كانت خفيفة،
لكنها كانت تسحق شيئًا عميقًا في صدري.
ومضت.
بقي الفستان الأحمر ذكرى في عيني، وبقيت أنا بين طفل يريد البكاء وعاشق تعلّم أخيرًا أن يصمت.
بعد ذلك لم أعد أبحث عنها في الشوارع.
باريس مدينة واسعة، لكنها أضيق من أن تخبئ امرأة في قلب شاعر.
ومع ذلك…
كلما مررت قرب النهر أشعر أن الماء يعرف اسمها.
تتكسّر الأضواء فوق سطحه كما تتكسّر الذكريات في صدري، ولا يبقى منها سوى ارتعاشة صغيرة تشبه الحنين.
في البداية ظننت أن العشق حكاية لقاء.
ثم ظننت أنه فراق.
لكنني اكتشفت متأخرًا أن العشق الحقيقي هو ما يبقى بعد الاثنين.
هو ذلك الفراغ الذي يسكن القلب حتى بعد أن يرحل الجميع.
أمس فقط مرّت امرأة بفستان أحمر يشبه فستانها.
توقفت لحظة… ارتبك قلبي كما لو أن الزمن عاد خطوة.
لكنها لم تكن هي.
عندها أدركت الحقيقة القاسية:
أن باريس لم تحتفظ بها… بل احتفظت بظلها فقط.
أما هي فقد مضت بعيدًا إلى حياة لا أعرفها.
وبقيت أنا هنا، أكتبها مرة بعد مرة، كأنني أحاول إنقاذ شيء لم يعد موجودًا.
الليلة لن أكتب قصيدة جديدة.
سأترك النافذة مفتوحة
لعل الريح تحمل اسمها إلى مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.
ثم سأطفئ الضوء…
وأترك باريس تنام
فوق آخر ظلٍّ
لامرأة
لم تكن يومًا
لي.
