الثقافة والفن

حين يخون العطاء… يولد الجرح الذي لا يشيخ

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾…
ليست آية تُتلى فحسب… بل حكمٌ أخلاقيٌّ قاطع… يجرّد الخيانة من كل ستار… ويضعها عاريةً كما هي: سقوطٌ لا يليق بإنسانٍ اؤتمن…

ليس أقسى على الروح من أن تُعطي حتى آخر ما فيك… ثم تكتشف أن بعض القلوب لم تكن إلا مرايا معتمة… تعكسك حين تحتاجك… وتطمسك حين تكتمل صورتك… وهنا تمضي السنن في صمتها العادل: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾… فكل خيانةٍ بدايةُ سقوط… لا يُرى أوله… لكن يُرى أثره…

العطاء قيمة… نعم…
لكنه بلا بصيرة… استنزاف…
وليس الخطأ أن نعطي… بل أن نُصرّ على العطاء… لمن تعلّم كيف يجرح دون أن يرتجف…

الخيانة ليست زلّة… بل اختيار…
اختيار أن يُكسر العهد… وأن تُنتهك الأمانة… وأن يُهان ما كان يجب أن يُصان…
ولهذا… لا تُقلقنا الخيانة بقدر ما يكشفنا تكرارها… فهي لا تجرح الضحية فقط… بل تفضح خللًا يسكن صاحبها…

وتتعدد وجوهها…
خيانة الدين… ضياع البوصلة…
وخيانة الوالدين… قسوةٌ على أصل الرحمة…
وخيانة الوطن… شرخٌ في روح الجماعة…
وخيانة الصديق… طعنةٌ في قلبٍ اختارك…

أما خيانة المريض…
فهي ليست خيانةً عابرة… بل سقوطٌ أخلاقيٌّ كامل…
حين يُقابل الضعف بالغدر… والاحتياج بالجفاء…
لا يُكسر قلبٌ واحد… بل تُمحى الرحمة من الصدور…
وكأن اليد التي كان يُفترض أن تُضمد… اختارت أن تؤلم…
وهنا لا يكون الجرح شخصيًا فقط… بل جرحًا في إنسانية الإنسان نفسها…

أما خيانة العشق… فهي وجعٌ يتسلّل إلى الذاكرة… لا ليكسرها فقط… بل ليعيد تشكيلها…
ومع ذلك… تبقى — مهما اشتدّت — أقل قبحًا… من أن تتحول إلى ذريعةٍ لخيانةٍ أخرى…

الألم يتفاوت…
لكن الخيانة لا تتفاوت…
قد يختلف الناس في حجم الوجع… لكنهم لا يختلفون في سقوط من خان… مهما بدا ناجيًا…

وليست الخيانة في حجمها فقط… بل في تبريرها…
فكلما طال التبرير… اتّسع الشرخ… وازداد السقوط عمقًا…

ويرى أرسطو أن الإنسان كائنٌ مدني بطبعه…
لكن التجربة تهمس بشيءٍ آخر…
أن بعض البشر يعيشون بين الناس… دون أن يتعلموا أبسط ما يُبقي العلاقات حيّة: الوفاء…

في ميزان الحكمة…
لا يُطلب منا أن نغلق قلوبنا… بل أن نحرسها…
فالوفاء ليس سذاجة… والعطاء ليس ضعفًا…
بل وعيٌ يعرف متى يمنح… ومتى ينصرف بصمت…

ومع كل خيبة… لا تموت الروح… بل تنضج…
تتعلم أن الطيبة لا تعني الغفلة… وأن الصفح لا يعني إعادة الباب لمن كسره…

ويبقى الجرح… لا يشيخ… لأنه شاهدٌ لا يكذب…
يذكّرنا أن بعض الأخطاء تُغتفر… لكن الخيانة… لا تُمحى بسهولة… لأنها لا تكسر لحظة… بل تهدم معنى…

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾…
وكأن الخاتمة لا تُغلق الجرح… بل تُربّت عليه…

فالخيانة… وإن قست… لا تُبرّر أن نقسو…
والخذلان… وإن تكرّر… لا يستحق أن نُطفئ لأجله ما بقي فينا من نقاء…

نعم… بعض الجراح لا تعود كما كانت…
وبعض الثقة… إذا انكسرت… بقيت فيها شقوقٌ لا تُرى… لكنها تُحَسّ…

ومع ذلك…
لا يتعلّم القلب النبيل أن يُشبه من آذاه…
بل يتعلّم أن يكون أعمق… أهدأ… وأصدق…

فالوفاء… لا يموت…
قد يتعب… قد يختبئ قليلًا…
لكنه لا يرحل…

يبقى كالنهر…
يمرّ بالصخور…
ولا يتوقّف…

وفي لحظةٍ ما…
نعود إليه…
لا كما كنّا…
بل أنضج… وأهدأ…
لكننا… ما زلنا قادرين على أن نرتوي…

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار