الثقافة والفن

قراءة نقدية

ماجد القيسي 

 

 

 

 

 

يضعنا الأستاذ حمزة الحجامي في هذا النص أمام مشهدية سريالية مكثفة، تبدأ بسؤال استنكاري يحمل في طياته إدانة للمسار بقدر ما يحمل إشفاقاً على العابر “إلى أين تعودين؟”، فالنص لا يقدم حكاية عادية، بل يرسم ملامح رحلة تبدو انتحارية نحو هدف متناقض، حيث تختنق الروح في “بحر من سراب”، وهو تعبير يحمل مفارقة بصرية وذهنية بارعة، إذ إن الاختناق المعتاد يكون بالماء، لكن الغرق هنا يحدث في العدم واللاشيء، مما يعمق إحساسنا بالضياع الوجودي. ويتحرك الحجامي ببراعة بين فضاءات مكانية متباينة، فتبدأ الرحلة من اتساع السراب المضلل لتنتهي بالرغبة في الوصول إلى “البئر”، وهو انتقال يوحي بالرغبة في الانحباس داخل حقيقة ضيقة وعميقة بدلاً من التيه في كذبة واسعة، كما تبرز قوة النص في وصفه للمعابر بأنها “مشرعة” رغم وجود “الأشواك”، ليعكس فخاخ الطريق التي تغري بالدخول بينما تقتضي ضريبة من الاكتواء بـ “حمم الآهات”، وهذا التضاد يجسد وعي الكاتب بصعوبة العودة؛ فالأبواب قد تكون مفتوحة فعلاً، لكن المرور منها يتطلب احتراقاً نفسياً باهظاً. وفي محاولة اللحاق بهذه الراكضة، يستعير الكاتب “جناحين” ويستعين بـ “بنات نعش”، وهنا نلمس توظيفاً رمزياً دقيقاً، فبنات نعش في الوجدان العربي هي نجوم الثبات والاتجاه لكنها تحمل في اسمها دلالة الموت، مما يعطي انطباعاً بأن المحاولة ليست لإنقاذ الغريقة بقدر ما هي مرافقة لها في “خفقان الانتظار” الأخير، فالحجامي لا يبيعنا وهماً بالنجاة، بل يقرن الطيران بالموت، ويختم نصه عند عتبة الفجر كأنه “كشّاف” للحقيقة التي ستنهي سحر الليل وضلالات السراب، ليتركنا نتساءل هل كان الهدف هو الوصول إلى البئر حقاً أم أن القيمة كانت في “عزم الوصول” ذاته؟ لقد نجح الأستاذ حمزة في بناء نص يتحرك في منطقة رمادية بين الوجد والفلسفة، مستخدماً لغة مقتضبة ومشبعة بالصور التي لا تكتفي بوصف المعاناة، بل تؤطرها ضمن رحلة إنسانية أزلية نحو غايات قد لا نجد فيها عند طلوع الفجر سوى انعكاس وجوهنا المتعبة.

الى اين تعودين …….
رأيتها مسرعة تختنق في بحر
من سراب
تهم رجليها على حمم من الاهات
تكتوي مأثر الوجد
اسرعت دون تردد
رغم ان في عودتها اشواك
ومعابر مشرعة
أرادت ان تصل إلى ذلك البئر
واستنجدت بضائعة الليل
انهكها التعب
وهي عازمة على الوصول
حاولت أن استعير جناحين
واللحاق بها
مستعينا ببنات نعش
واسمع بخفقانهما ذلك الانتضار
فعلا اسرعت دون الشعور
ان في فلك الأحلام اشياء
تحقق الأمنيات
ولكن عند طلوع الفجر ……………

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار