المقالات

حين تتأخر الحكمة…درس الخضر وموسى في فهم القدر ودرس ما يحدث في المنطقة العربية

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

في حياة الإنسان لحظاتٌ يقف فيها العقل حائرًا

وأمام بعض الأحداث يقف القلب مذهولًا

نتساءل: لماذا حدث هذا؟

ولماذا جاء الألم في هذا الوقت؟

ولماذا بدا الظلم وكأنه ينتصر للحظة؟ ما

وهنا يتذكّر الإنسان قصة اللقاء العجيب بين النبي موسى والعبد الصالح الذي عُرف في التراث باسم الخضر، كما وردت في القرآن الكريم في سورة الكهف

لم تكن تلك القصة مجرد رحلة بين رجلين

بل كانت رحلةً بين العلم الظاهر والعلم الخفي

بين ما يراه الإنسان بعينيه

وما يراه الله بعلمه الذي لا يحدّه زمان

رأى موسى سفينةً تُخرق

فارتجف ضميره وعدّ ذلك ظلمًا

ورأى غلامًا يُقتل

فاشتعل قلبه إنكارًا وألمًا

ورأى جدارًا يُقام لقومٍ بخلاء

فاستغرب فعل الخير لمن لا يستحقه

كان موسى يرى الحدث

لكن الخضر كان يرى المصير

موسى رأى السفينة المكسورة

والخضر رأى ملكًا ظالمًا يسرق السفن

موسى رأى طفلًا يُقتل

والخضر رأى مستقبلًا مظلمًا لو عاش ذلك الطفل

موسى رأى جدارًا بلا أجر

والخضر رأى كنزًا لطفلين ينتظران عدل الزمن

وهكذا

لم يكن الخلاف بينهما خلاف عقلين

بل كان الفرق بين لحظةٍ قصيرة يراها الإنسان

وحكمةٍ طويلة يراها الله

الحياة كثيرًا ما تشبه تلك الرحلة

نحن نرى الخرق

ولا نرى النجاة.

نرى الفقد

ولا نرى الرحمة المختبئة خلفه.

نرى الطريق المغلق

ولا نرى الطريق الذي سيولد بعده.

ولهذا كانت نهاية القصة درسًا خالدًا حين قال الخضر إن ما حدث لم يكن من عنده

فكثير من أحداث الحياة

ليست عبثًا

وليست قسوةً بلا معنى

بل هي أحيانًا رحمة متخفية في ثياب الألم.

ولذلك يذكّرنا القرآن الكريم بحقيقةٍ عميقة:

﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾

فما يراه الإنسان خسارةً اليوم

قد يكتشف غدًا أنه كان حماية.

ويقول الله أيضًا:

 

﴿فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا﴾

فالفرج لا يأتي دائمًا بعد الألم

بل قد يكون يسير إلى جواره بصمت حتى يحين وقت ظهوره

وقد قال النبي محمد:

«عجبًا لأمر المؤمن… إن أمره كله له خير».

فالحياة في ميزان الإيمان ليست طريقًا مستقيمًا من الفرح

بل نهرٌ تتعاقب فيه المنعطفات

لكن مجراه في النهاية يتجه نحو الخير

وما أضيق نظر الإنسان حين يحكم على القدر من لحظةٍ واحدة

فالزمن وحده هو الذي يكشف المعاني

والأيام وحدها ترفع الستار عن حكمة الله

فاطمئن أيها القلب

فما خُرق في حياتك ربما كان لينجو

وما فُقد ربما كان لينقذك

وما تأخر ربما كان ليأتي أجمل

وإذا كان هذا حال الإنسان في حياته الفردية

فربما ينطبق الدرس نفسه على حياة الأمم

فما يجري اليوم في المنطقة العربية من اضطراباتٍ ومآسٍ

قد يبدو في أعيننا فوضى مؤلمة

وقد يبدو أحيانًا وكأن التاريخ يسير إلى الخلف

لكننا مثل موسى في بداية الرحلة

نرى الحدث

ولا نرى ما وراءه.

فربما تُخفي الأيام القادمة حكمًا لم تتضح بعد

وربما يولد من قلب الألم واقعٌ جديد

أكثر عدلًا ونضجًا

فالله لا يدير التاريخ عبثًا

ولا يترك مصائر الشعوب للصدفة

إنها الحكمة حين تتأخر قليلًا

لكنها لا تخطئ الطريق أبدًا.

والخاتمة تقول:

لعلَّ في الخرق نجاةَ سفينةٍ

ولعلَّ في الفقدان سرَّ العطاءِ

ولعلَّ ليلَ الأرضِ يخفي فجرَه

حتى يجيءَ الفجرُ دون عناءِ

فاصبرْ

فإنَّ حكمةَ الرحمنِ تمشي هادئةً

لكنها… لا تضلُّ الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار