الثقافة والفن

بين بذرةِ الكمأ وعَجْبِ الذَّنَب… أسرارُ الحياة المؤجلة

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

ما أعجبَ أن يُخفي اللهُ أعظمَ أسرار الحياة في أصغر الأشياء…
في بذرةٍ ساكنةٍ تحت التراب…
أو في عظمٍ صغيرٍ في آخر العمود الفقري للإنسان…

فالكمأُ يبقى زمنًا طويلًا مختبئًا في أعماق الأرض…
لا ورقَ له يُرى…
ولا جذعَ يدلُّ عليه…
ولا ضجيجَ يعلن وجوده…
وكأنه سرٌّ نائمٌ في رحم الصحراء…
حتى تأتي السماء بمائها…
ويرافق المطرَ الرعدُ والبرق…
فتهتزُّ الأرض…
ثم يفاجئ الكمأُ الناسَ بخروجه…
كأن الحياةَ كانت تختبئ بصمتٍ تحت التراب…

وهنا يقف العقل متأملًا…
كيف تختبئ الحياةُ الكاملة في شيءٍ صغيرٍ لا يكاد يُرى…؟
وكيف تؤجل الطبيعةُ ميلادَ بعض الكائنات حتى تأتي لحظةُ الإذن بالحياة…؟

إنها ليست مصادفةً عمياء…
بل نظامٌ بالغُ الدقة…
أودع الله فيه أسرار البقاء والكمون والإحياء…

ولهذا يبدو التشابهُ عجيبًا بين بذرة الكمأ…
وبين ما أخبر به النبي ﷺ عن “عَجْب الذَّنَب”…
ذلك الجزءُ الدقيق الذي يبقى من الإنسان…
ويكون منه البعثُ يوم القيامة…

فكما تختبئ صورةُ النبات كاملةً في بذرة…
تختبئ خريطةُ الإنسان في خلية…
ويختبئ سرُّ العودة في جزءٍ صغيرٍ من الجسد…

لقد أثبت العلمُ أن الخلية الواحدة تحمل الشفرةَ الوراثية الكاملة لبناء إنسانٍ كامل…
القلب…
والعين…
والجلد…
والدماغ…
وحتى الملامح الدقيقة…
وكأن الله أودع في النقطة الصغيرة مشروعَ حياةٍ كاملة…

والأعجب من ذلك…
أن الإنسان يعيش في كل لحظةٍ عمليةَ خلقٍ متجددة…
فالدم يتجدد…
والجلد يتبدل…
والعظام تعيد بناء نفسها…
وخلايا كثيرة تموت وتولد بصمت…
ومع ذلك يبقى الإنسان يشعر أنه هو نفسه…

فمن الذي يحفظ هوية الإنسان رغم تغيّر الجسد…؟
ومن الذي يبقي “الأنا” حيّةً وسط هذا التبدل المستمر…؟

إنه سرُّ الروح…
ذلك السرُّ الذي لا يُقاس بالمختبرات…
ولا يُوزن بالموازين…
لكنه أعظمُ حقيقةٍ تسكن الإنسان…

ولهذا يكرر القرآن مشهدَ إحياء الأرض بعد المطر…
لأن الأرضَ الميتة أقربُ صورةٍ لفهم البعث…
قال تعالى:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾…

فالذي يوقظ البذرةَ من سباتها…
ويُخرج الكمأَ من ظلمة الأرض…
قادرٌ على أن يوقظ الإنسان من سكون القبر…

إن الموت في ميزان الإيمان ليس فناءً مطلقًا…
بل مرحلةُ كمونٍ تشبه انتظارَ البذرة للمطر…
فالشتاء ليس نهايةَ الحياة…
بل عبورٌ صامت نحو الربيع…
والقبر في عين المؤمن ليس انطفاءً أبديًا…
بل انتظارٌ لوعد الله…

إن أعظمَ أوهام البشر أنهم يربطون القوةَ بالحجم…
بينما أخطرُ أسرار الكون تختبئ في الأشياء الصغيرة…
فالذرةُ غيّرت وجه العالم…
والخليةُ صنعت الإنسان…
والبذرةُ صنعت الغابات…
وعَجْبُ الذَّنَب يحمل سرَّ البعث العظيم…

وهكذا يبقى الكونُ كلُّه كتابًا مفتوحًا للتأمل…
يخبر الإنسانَ أن الحياة قد تختفي…
لكنها لا تنتهي دائمًا…
فبعضُ الغياب ليس موتًا…
بل انتظارٌ لأمرٍ من الله…
فتعود الحياةُ من جديد…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار