المقالات

المنطقة الرمادية… برزخ الضمير بين الحق والباطل

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

 

«بين الحق والباطل شعرة… لكن الضمير هو الذي يلوّنها نورًا أو ظلمة…»

ليست الحياة دائمًا أبيض ناصعًا… ولا أسود حالكًا…
فبينهما تمتد مساحة واسعة من الظلال، منطقة رمادية يسكنها البشر حين يعجزون عن الانحياز الكامل، أو يخشون الانكسار الكامل…
هناك يقف الإنسان على حافة المعنى، متأملًا طريقين لا تبدو حدودهما دائمًا واضحة، فيتردد القلب بين خطوة إلى النور وأخرى نحو الظلال…

إنها المنطقة التي يقف فيها الإنسان بين السلم والحرب، وبين الحق والباطل، وبين الحب والكره، وبين الصدق والكذب، وبين المواجهة والانسحاب…
وفي هذه المساحة الغامضة لا تكون الحقيقة صاخبة دائمًا، بل قد تكون خافتة كهمس الضمير، تحتاج إلى بصيرة هادئة أكثر مما تحتاج إلى صخب الأحكام…

وفي كثير من الأحيان لا يفصل بين الحق والباطل إلا شعرة…
شعرة بيضاء أو سوداء…
قد تبدو صغيرة في أعين الناس، لكنها في ميزان الضمير عظيمة…
فربما تشابه الفعلان في الظاهر، لكن النية هي التي تلوّن تلك الشعرة، فتجعلها بيضاء من نور الصدق، أو سوداء من ظلمة الهوى…

غير أن تلوّن هذه الشعرة ليس أمرًا يسيرًا…
فهذه هي المنطقة العسيرة في النفس الإنسانية، حيث يختلط العقل بالعاطفة، وتتزاحم المصالح مع القيم…
فإن كان الضمير يقظًا أضاء الطريق، وإن غلب الهوى تلبدت الرؤية بالظلال…

ولهذا أشار الدين إلى هذه المساحة الدقيقة من الالتباس حين قال النبي ﷺ:
«الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»…
فكأن بين الحق والباطل منطقة يختلط فيها الفهم على بعض العقول، ولا يميزها إلا من استنار قلبه بالبصيرة…

وفي القرآن الكريم تحذير واضح من خلط الطريقين حين قال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾
كما رسم القرآن صورة بليغة للصراع بينهما حين قال:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾…

أما الفلسفة فقد رأت أن الحقيقة لا تظهر دائمًا في صراعٍ صاخب بين الأبيض والأسود، بل تظهر أحيانًا في منطقة الظلال، حيث يحتاج الإنسان إلى عقل متأمل وقلب نزيه ليكشف الفارق الدقيق بينهما…

ومن هنا يمكن النظر إلى المنطقة الرمادية مجازًا على أنها برزخ الضمير…
فكما أن البرزخ في اللغة حاجز يفصل بين شيئين، تقف النفس الإنسانية أحيانًا في برزخ بين طريقين، لا هي في وضوح النور الكامل، ولا في ظلمة الباطل الصريح…

وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى الفاصل في صورة بديعة حين قال تعالى:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾…
وكأن في هذه الصورة إشارة إلى أن بعض الحدود في الحياة ينبغي أن تبقى واضحة حتى لا يطغى أحد الطرفين على الآخر…

وهنا يبرز سؤال جوهري يواجه ضمير الإنسان:
هل يُحاسَب الإنسان إذا تلاشت الحدود بين الحق والباطل؟…

إن العدل السماوي وكذلك العدل الإنساني لا يقيس الأفعال بظاهرها فقط، بل يزنها بميزان النية والاجتهاد والضمير…
فإذا اختلطت الطرق كان الامتحان الحقيقي هو صدق البحث عن الحق، لا مجرد الوقوف في المنطقة الرمادية…

ولهذا فإن المنطقة الرمادية لا تعفي الإنسان من المسؤولية، بل تنقل المحاسبة من وضوح الفعل إلى صدق النية…
فهي ليست ملاذًا للهروب من القرار، بل برزخ أخلاقي يُختبر فيه ضمير الإنسان…

فإما أن يعبره نحو النور…
وإما أن يبقى فيه حتى تميل الشعرة إلى السواد…

فالحق نور، والباطل ظلمة…
والإنسان في رحلته الأخلاقية يقف أحيانًا بين شعاع النور وظل الظلمة، يتلمس الطريق في صمت الضمير…

وهنا يبرز سؤال آخر لا بد أن يطرحه الإنسان على نفسه:
هل المنطقة الرمادية مأوى للضمير… أم امتحان له؟…

فإن جعلها الإنسان ملاذًا للهرب من القرار ضاع في الظلال…
وإن جعلها محطة للتأمل والبحث عن الحقيقة عبرها نحو النور…

وعندها يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست دائمًا صاخبة، بل قد تكون رفيعة كالشعرة، لكنها في ميزان السماء عظيمة…

وكأن القرآن يلخص هذا الطريق كله في خاتمة نورانية خالدة حين يقول الله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

فإذا حضر النور انكشف الطريق، وزالت المنطقة الرمادية…
فصار القلب يرى بوضوح، واختار الحق والعدل والنور…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار