هذا العراق… حتى الغيوم تغازله وترسم خارطته على صدر السماء
بقلم: خليفة الشرقي

هذا العراق… حتى الغيوم تعرفه وتغازله، وترسم خارطته على صفحة السماء، كأنها تحفظ ملامحه أكثر مما يحفظه أهله…
وحين تمرّ فوقه، لا تمرّ كعابرٍ غريب، بل كروحٍ تعرف وجعه، تدعو له بالسلامة، وتبكيه مطرًا… كأنها تدرك أن بعض الأوطان لا تمرض بالحروب وحدها، بل تمرض حين يبتعد أبناؤها عن معنى الوطن…
فالوطن ليس ترابًا فقط، بل مرآة القلوب التي تسكنه… فإذا فسدت القلوب انعكس الفساد على الأرض، وإذا شُفيت الأرواح عاد التراب حياةً ولو كان قاحلًا…
وهنا يكمن السر… أن شفاء العراق لا يبدأ من السماء، بل من الإنسان… لأن الله حين جعل الإنسان خليفة في الأرض، لم يمنحه الجغرافيا فقط، بل منحه مسؤولية إعمارها بالعدل والرحمة… فإذا غاب العدل مرضت الأرض، وإذا غابت الرحمة جفّت الأرواح قبل الأنهار…
تتمنى الغيوم لو أن أبناءه أحبّوه كما أحببته… حبًا يسكن الضمير لا الشعارات، ويجعل العراق في القلب قبل أن يكون على الخريطة…
ولهذا سأُسقي أرضه بمزيد من المطر… لا ليخضرّ التراب فقط، بل لتُغسل القلوب من غبار القسوة… فالأرض العطشى لا تحتاج ماءً وحده، بل تحتاج إنسانًا يعرف أن الحب هو أعظم أشكال الإعمار…
وفي النهاية… قد تكتب الغيوم اسم العراق كل يوم على السماء، لكن الحقيقة الأعمق أن العراق لن يُشفى إلا حين يكتبه أبناؤه في سلوكهم… حين يصبح الصدق قانونًا، والرحمة منهجًا، والوفاء هوية لا تُباع ولا تُشترى…
ليس أخطر ما يواجه العراق قلة المطر… بل قلة الضمير… وليس أعظم ما ينقذه وفرة الماء… بل وفرة الحب…
فإذا جفّ الضمير غرقت الأوطان ولو كانت بين نهرين… وإذا امتلأ القلب نورًا أزهرت الصحارى ولو لم تمسّها قطرة ماء…
وعندها فقط… لن تسأل الغيوم متى يمطر العراق… بل سيسأل العراق: متى تمطر القلوب…
وفي لحظة صفاءٍ نادرة… قد يدرك الإنسان أن الأوطان لا تُبنى بما يسقط من السماء، بل بما ينهض في داخل الإنسان… وأن الخرائط الحقيقية لا تُرسم على الورق، بل تُرسم في الضمائر…
فالعراق ليس سؤال جغرافيا… بل سؤال أخلاق… وليس أزمة أرض… بل امتحان إنسان…
وحين يفهم أبناؤه أن الوطن لا يُنقذ بالحديث عنه، بل بالتحوّل إليه… عندها فقط… لن تكون الغيوم وحدها من ترسم خارطته على السماء… بل سترتسم ملامحه في كل قلبٍ اختار أن يكون وطنًا…

