عندما يصبح الإنسان هامورًا… لكن شتّان بين الاثنين
بقلم خليفة الشرقي

في أعماق البحر يعيش الهامور مفترسًا لا يعتذر.
يفتح فمه لكل ما يمر أمامه، يبتلع الأسماك الصغيرة، ثم يواصل سباحته كأن شيئًا لم يكن.
ليس لأنه شرير… بل لأنه مخلوق على قانون الغريزة…
جوعه هو شريعته، والبحر حدّه، ولا يعرف من الدنيا إلا أن يعيش أو يُؤكل…
الهامور لا يعرف الطمع،
ولا يؤجل افتراسه لمكيدة،
ولا يكدّس أكثر مما يحتاج.
فإذا شبع… توقّف.
لكن حين يصبح الإنسان “هامورًا”، فالقضية لا تتعلق بالجوع، بل بالجشع…
الجشع ليس أن تمتلك،
بل أن لا تكتفي.
أن تملك ما يكفيك… ولا يكفيك.
أن تخاف الفقر وأنت غارق في الوفرة.
أن ترى العالم حصةً محدودة فتسابق الجميع لابتلاعها، كأن يد الله قصيرة، وكأن الرزق يُختطف لا يُقسّم…
الفلسفة تخبرنا أن الإنسان كائنٌ يبحث عن الاكتمال،
لكنه يضل الطريق حين يظن أن الاكتمال في التراكم…
كلما جمع أكثر، شعر أنه أقل.
كلما ابتلع أكثر، اتّسع فراغه…
ذلك لأن فراغ الروح لا يُملأ بالمادة، بل بالمعنى.
وفي الدين، لم يُحرَّم المال، ولم تُذمّ القوة،
لكن ذُمّ الظلم،
وذُمّ أكل أموال الناس بالباطل،
وذُمّ القلب الذي يتعلّق بالدنيا حتى ينسى السماء…
الهامور لا يُحاسَب لأنه لا يملك اختيارًا…
أما الإنسان فقد مُنح العقل، ومُنح الضمير، ومُنح حدًّا يقول له: قف.
الهامور جزءٌ من توازن الطبيعة،
أما الإنسان الجشع فيكسر توازن المجتمع…
الهامور قد يفترس سمكة،
لكن الإنسان قد يفترس مدينة… وقد يفترس شعبًا، وقد يفترس قيمةً أخلاقية بأكملها…
وخلاصة القول:
إن الهامور أقل وجعًا، وأقل إيلامًا، وأقل وحشيةً من الإنسان حين يفقد إنسانيته…
فالهامور صريحٌ في غريزته،
واضحٌ في جوعه،
بريءٌ من النفاق…
أما الإنسان الجشع، فيبتسم وهو يبتلع،
ويُبرّر وهو يظلم،
ويُسمّي افتراسه ذكاءً، أو مهارةً، أو فرصةً استثمارية…
الهامور لا يخون قانون البحر،
لكن الإنسان قد يخون قانون السماء والأرض معًا…
ولذلك… عيبٌ علينا بل عيبٌ على وعينا أن نُسقط وحشيتنا على مخلوقٍ لم يختر طبيعته…
أن نصف الجشعين بـ“الهامور”، وكأننا نبحث عن حيوانٍ نعلّق عليه خطايانا…
الطبيعة بريئة من جشعنا.
والبحر بريء من فسادنا.
المشكلة ليست في الهامور،
بل في الإنسان حين ينسى أنه خُلق ليكون خليفةً لا مفترسًا،
أمينًا لا مُبتلعًا،
حارسًا للتوازن لا كاسرًا له.
شتّان بين الاثنين…
فالهامور يعيش على قانون الغريزة،
أما الإنسان فقد مُنح شرف الاختيار…
فإن اختار أن يكون “هامورًا”،
فذلك ليس قدرًا…
بل سقوطًا أخلاقيًا بإرادةٍ واعية.