المقالات

الستر… خصلة منحها الله للإنسان منذ البداية…

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

آدم وحواء في الجنة، حيث الكمال بلا عيب، حيث النعيم بلا حدود… ومع ذلك جاء الغرور، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ الشيطان…
وحين ذاقا الشجرة، حلّ بهما شعور جديد… شعور بالعري… شعور بالخجل… شعور بالمسؤولية لأول مرة…
فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ…
الستر هنا ليس مجرد ورق يغطي الجسد… بل وعي… وحياء… وحفظ للروح…
حتى قبل أن يعلّمهما الله العقوبة، كانت الفطرة تحميهما… كانت النفس تهمس: احفظ نفسك… احفظ كرامتك… واجعل الستر درعك الأول…

ثم جاء التنبيه الإلهي:
“وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ”…
الدرس واضح… بين الغرور والخطأ… بين الستر والوعي… بين الجسد والروح…

والأمر لا يقتصر على الإنسان وحده… فالستر والخجل هبة فطرية لكل الكائنات الحية…
البعير والحيوانات الأخرى تستر نفسها… وتخجل… خاصة في لحظات الخصوصية والسلوك الجنسي…
هذه الغريزة تحمي كل مخلوق… تعطيه وعيًا أوليًا بذاته… شعورًا بالحدود… وحفاظًا على كرامته…

أما الإنسان، فالستر يتحول من غريزة إلى ضمير حي…
يصبح حماية للروح… علامة وعي بالذات… رمز لتجربة الخطأ والتعلم…
من درس آدم وحواء نتعلم أن الخطأ الأول يكشف عن الفطرة… وأن الخجل والستر ليسا عيبًا… بل بداية وعي… ومرشد إلى التوبة والهداية…

ولا يقتصر الدرس على آدم وحواء…
عندما رجعت ابنة سيدنا شعيب إلى سيدنا موسى، جاءت تمشي على استحياء… خطواتها مليئة بالحياء… جسدها وروحها تتحدثان لغة الستر…
الرسالة واحدة: الستر ووعي… حماية للكرامة… وفطرة من الله…

حتى في عصرنا المعاصر…
في حضارة الغرب المتقدمة، مع كل التقدم المادي والعلمي…
كثير من البشر تخلو عن الستر… وعن الحياء…
العري الجسدي يعكس أحيانًا غياب وعي الروح…
والإنسان بلا ستر… بلا حياء… يصبح معرضًا للانحراف عن فطرته…
وهنا يظهر درس آدم وحواء بوضوح: أن الستر والحياء فطرة… وأنهما حماية للكرامة… وسر لسلامة الروح…

القرآن والفلسفة يلتقيان هنا…
الستر درس خالد… رابط بين الحرية والمسؤولية… بين الجسد والروح… بين الخطأ والهداية…
الإنسان الذي يحفظ نفسه… ويحمي ستره… يصبح حارسًا لكرامته… ومرشدًا لفطرته الإلهية…
هكذا يبدأ الإنسان رحلته من الجنة إلى الأرض… محملاً بالوعي… بالحياء… بالستر…
يحمل دروس الفطرة التي لا تندثر…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار