المقالات

قابيل يسكن فينا، حين تُراق دماء الأبرياء باسم الغيرة…

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

 

يروي القرآن الكريم قصة أول جريمة في تاريخ البشر.
قدّم ابنا آدم قربانًا إلى الله، فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر.
اشتعلت الغيرة في قلب قابيل، فقال لأخيه هابيل: لأقتلنك.
فأجابه هابيل بطمأنينة المؤمن:
إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين.
لكن النفس إذا استسلمت لظلامها، فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين…
ثم وقف القاتل أمام جسد أخيه لا يدري كيف يواريه، حتى علّمه الله كيف يدفنه.
كانت تلك اللحظة أول دمٍ يُراق على الأرض… وأول درسٍ قاسٍ تتعلمه الإنسانية…
لم يبدأ التاريخ بحضارةٍ عظيمة،
ولا بدولةٍ قوية،
بل بدأ بيدٍ ارتجفت… ثم لطّختها الغيرة…
حين قتل قابيل أخاه هابيل،
لم يكن بينهما نزاع أرضٍ ولا عرش،
بل كان نزاع قبول…
لم يحتمل أن تُقبل قربان أخيه،
فأراق أول دمٍ على وجه الأرض…
هكذا تعلّمت البشرية درسها الأول:
أن الغيرة إذا لم تُهذَّب،
تتحول إلى سكين…
ثم يعيد التاريخ المشهد في بيت النبوة.
إخوة يوسف
لم يحتملوا محبة أبيهم له…
لم يقتلوه،
لكنهم ألقوه في بئرٍ موحشة كادت تقتله،
كأنهم أرادوا أن يختفي الوجه الذي يؤلمهم…
ومع ذلك…
حين تمكّن يوسف،
لم ينتقم،
بل قال: لا تثريب عليكم اليوم…
هنا انتصرت الإنسانية على الغيرة.
لكن الغيرة لا تموت…
إنها تكبر أحيانًا مع كِبر النفوذ،
وتتضخم مع تضخم المصالح…
وقد تتسع دائرة الغيرة حتى تصبح عالمية…
حين تشعر دولةٌ بصعود أخرى،
لا بوصفه خطرًا فقط،
بل بوصفه تحديًا لميزان العالم…
هكذا ينظر العالم أحيانًا إلى صعود
الولايات المتحدة
وإلى توسع نفوذ
الصين؛
فليس الصراع دائمًا صراع أعداء،
بل أحيانًا صراع رؤى…
صراع اقتصادٍ وعلمٍ ونفوذٍ ناعم،
تتجاور فيه المصالح مع المخاوف،
كما تتجاور الغيرة مع الطموح…
فالأمم، مثل الأفراد،
تخشى أن تتقدم وهي ترى غيرها يقترب من القمة…
فتتبدل اللغة،
وتتبدل الأدوات،
لكن السؤال يبقى واحدًا:
كيف ننافس دون أن نكسر المرآة التي نرى فيها وجوهنا كبشر؟
المأساة ليست في الغيرة ذاتها،
فهي شعور يولد مع المقارنة…
المأساة في تبرير الدم باسمها…
كل دمٍ يُسفك لأن أحدهم لم يحتمل تفوق غيره،
أو لم يحتمل حضور غيره،
هو تكرارٌ لأول خطيئة…
قابيل لم يمت.
هو يسكن في كل نفسٍ تبرر أذاها بغيرةٍ عمياء…
ويوسف لم يمت.
هو يسكن في كل قلبٍ يملك القدرة على الانتقام ثم يختار الصفح…
وفي النهاية…
قد لا ينتصر أحدٌ في معارك التاريخ…
فالتاريخ لا يعرف المنتصرين بقدر ما يعرف من بقي إنسانيًا حتى اللحظة الأخيرة…
ستتبدل الدول…
وتعلو حضارات…
وتسقط أخرى…
لكن الإنسان سيبقى واقفًا بين سماءٍ تتسع للأحلام،
وأرضٍ تحفظ آثار الدماء والصلوات معًا…
فكل غيرةٍ تحرق قلبًا…
هي في الأصل اعترافٌ خفيٌّ بقيمة الآخر…
وكل صراعٍ على التفوق…
هو محاولة يائسة لإثبات أن الإنسان ما زال يبحث عن مكانٍ آمنٍ في هذا الكون الواسع…
أما الكون نفسه…
فلا يعرف الغيرة،
ولا يعرف الثأر،
بل يعرف فقط قوانين الاتساع…
حيث النجوم تتجاور دون أن تطفئ إحداها ضوء الأخرى…
وهكذا يبقى الإنسان…
بين قابيل الذي يسكن خوفه،
ويوسف الذي يسكن صفوه،
يختار في كل لحظةٍ أيّ إنسانٍ يريد أن يكون…

والتاريخ…
ليس ما حدث فقط،
بل ما كان يمكن أن يحدث…
لو أن البشر استمعوا أكثر إلى صوت الرحمة داخلهم،
قبل أن يسمعوا صليل الصراع في الخارج…
إذن…
لسنا مدعوين لقتل الغيرة فينا،
بل لتهذيبها…
فليست كل غيرةٍ شرًّا،
فهناك غيرةٌ حميدة،
توقظ الطموح،
وتحفّز على المنافسة الشريفة،
لا على القتال…
غيرةٌ ترى تفوق الآخر
فتقول: سأجتهد لأرتقي،
لا: سأهدمه ليهبط…
غيرةٌ تجعل نجاح غيرنا
وقودًا لتقدمنا،
لا سببًا لانتقامنا…
فالفرق بين قابيل ويوسف
لم يكن في الشعور،
بل في كيفية التعامل معه…
اجعل غيرتك سلّمًا تصعد به،
لا سكينًا تطعن به…
فالمنافسة التي ترفع الجميع
أجمل من الغيرة التي تُسقط الجميع…
وحين تتحول الغيرة إلى دافعٍ للإبداع،
لا إلى ذريعةٍ للإقصاء،
نكون قد أنقذنا قابيل في داخلنا…
وأعطينا يوسف مساحةً أوسع ليقود القلب…
وهنا فقط…
يتقدم الإنسان،
وتبقى الإنسانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار