فطرة الإنسان… البرنامج المزروع في جينات الإنسان وعقله والفطرة… حين يلتقي الوحي بعلم الجينات
بقلم خليفة الشرقي

منذ قرون طويلة يتأمل الإنسان قوله تعالى:
«فطرةَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله»…
وقد فهم المفسرون عبر العصور أن الفطرة هي الطبيعة الأولى التي خُلق عليها الإنسان… الميل إلى الخير، والاستعداد للعدل، والشعور بالرحمة…
لكن مع تطور المعرفة الإنسانية وظهور علوم حديثة مثل علم الجينات وعلوم الدماغ، أصبح من الممكن أن نتأمل هذا المفهوم القرآني بنظرة أعمق تجمع بين الإيمان والعلم…
نظرة ترى أن الفطرة ليست مجرد فكرة أخلاقية، بل يمكن فهمها أيضًا بوصفها البرنامج الأول الذي زرعه الخالق في خلايا الإنسان وعقله…
فالخالق العظيم… فاطر السماوات والأرض… خلق الكون من العدم، وضع قوانينه الدقيقة، وأودع في كل ذرة نظامًا متقنًا…
وكما خلق الكون وفق نظام محكم، خلق الإنسان أيضًا مزودًا ببرنامج داخلي من الفطرة… برنامج مزروع في جيناته وعقله، يرسم خارطة إنسانيته الأولى…
فالإنسان يولد وفي كل خلية من خلاياه نظام دقيق من المعلومات يعرف اليوم باسم الجينوم البشري…
وهو مجموعة هائلة من التعليمات المخزنة في الحمض النووي…
هذه الشيفرة البيولوجية هي التي توجه بناء الجسد، وتشكّل نمو الدماغ، وتحدد كثيرًا من الاستعدادات الطبيعية لدى الإنسان…
إن الحمض النووي يشبه كتابًا عظيمًا من الشيفرات الدقيقة…
كتابًا مكتوبًا بلغة كيميائية معقدة…
ومن هذه اللغة تنشأ الخلايا والأنسجة والأعضاء… كما تنشأ الشبكات العصبية في الدماغ التي تشكل أساس التفكير والمشاعر والسلوك…
ومن هنا يمكن النظر إلى الفطرة بوصفها البرنامج الأولي للحياة الإنسانية…
برنامجًا بيولوجيًا وروحيًا في آنٍ واحد…
فالخالق لم يخلق الإنسان جسدًا بلا توجيه، بل أودع في بنيته نظامًا داخليًا يقوده نحو إنسانيته…
وقد بدأت الدراسات في علم النفس العصبي وعلم الأحياء السلوكي تشير إلى أن الإنسان يولد بالفعل باستعدادات فطرية للتعاطف والتعاون…
فقد لاحظ الباحثون أن الأطفال الصغار، قبل تعلمهم القوانين أو القيم الاجتماعية، يظهرون ميلًا طبيعيًا لمساعدة الآخرين… ويستجيبون لبكاء الأطفال الآخرين بنوع من التعاطف الفطري…
كما كشفت أبحاث الدماغ أن مناطق معينة مثل القشرة الجبهية الأمامية تلعب دورًا مهمًا في التفكير الأخلاقي واتخاذ القرارات المرتبطة بالعدل والإنصاف…
وأن مواد كيميائية في الدماغ مثل الأوكسيتوسين تعزز مشاعر الثقة والتعاون بين البشر…
هذه الحقائق العلمية لا تعني أن الأخلاق مكتوبة في جين واحد محدد…
لكنها تشير بوضوح إلى أن الإنسان يحمل في بنيته البيولوجية استعدادًا فطريًا للسلوك الإنساني…
وكأن بذور القيم الأخلاقية مزروعة في تكوينه منذ بداية الخلق…
وهنا يكتسب قول القرآن: «لا تبديل لخلق الله» معنى عميقًا…
فالبنية الجينية الأساسية للإنسان تبقى مستقرة طوال حياته، ولا يحدث فيها تغير إلا في حالات نادرة تعرف بالطفرات الوراثية…
وهذا الثبات في البرنامج الجيني يفسر التشابه الكبير في الطبيعة الإنسانية بين البشر على اختلاف ثقافاتهم وحضاراتهم…
فالإنسان في أي مكان من العالم يحمل المشاعر الإنسانية الكبرى نفسها: الرحمة، والعدل، والبحث عن الحقيقة والمعنى…
لكن الفطرة مثل البذرة قد تنمو أو تُغطّى…
فالبيئة والتربية والثقافة قد تعزز هذه الاستعدادات أو تحجبها…
وقد ينحرف الإنسان أحيانًا تحت ضغط المصالح أو الخوف أو الظروف القاسية…
ومع ذلك فإن الفطرة لا تختفي…
بل تبقى كامنة في أعماق النفس…
ولهذا كثيرًا ما نرى الإنسان يعود إلى ضميره بعد فترات من القسوة أو الضياع… كأن شيئًا عميقًا في داخله قد استيقظ فجأة…
ذلك الشيء هو الفطرة…
البرنامج الأصلي الذي زرعه الله في جينات الإنسان وعقله…
وهكذا يلتقي الوحي مع العلم في نقطة عميقة…
فالقرآن يتحدث عن الفطرة بلغة الإيمان…
والعلم يتحدث عن الجينات والدماغ بلغة المعرفة…
وكلاهما يشير إلى حقيقة واحدة…
أن الإنسان لم يُخلق صفحةً فارغة…
بل خُلق وفي داخله بذرة إنسانيته الأولى…
بذرةٌ قد تغفو أحيانًا تحت ضجيج الحياة…
لكنها لا تموت…
لأنها جزء من سرّ الخلق… وجزء من حكمة الله في الإنسان…
⸻
نظرية الفطرة الجينية للإنسان
من منظور فلسفي علمي حديث، يمكن القول إن الفطرة ليست مجرد استعداد أخلاقي أو روحي…
بل هي برنامج بيولوجي متكامل مزروع في خلايا الإنسان منذ بداية تكوّنه…
هذا البرنامج الجيني، المرتبط مباشرة ببنية الدماغ، يحمل في طياته الاستعدادات الأساسية للسلوك الإنساني: التعاطف، التعاون، العدالة، وحب الخير…
فالخالق العظيم… فاطر السماوات والأرض… أودع في الإنسان كما أودع في الكون نظامًا متقنًا…
نظامًا يوجه الجينات ويخلق خارطة أولية للإنسانية…
بناءً على هذه الرؤية، يمكن تصور الإنسان ككائن يحمل خارطة أولية للإنسانية…
خارطة مزروعة في جيناته وعقله…
فالبيئة والتربية قد توجه مسار نمو هذه الخريطة، وقد تُغطّي بعض أجزائها مؤقتًا… لكن أصلها يبقى ثابتًا… لا تُمحى إلا في حالات نادرة جدًا عبر الطفرات الوراثية…
ومن هنا تبرز قوة الاقتران بين الوحي والعلم…
فالقرآن تحدث عن الفطرة بوصفها جوهرًا ثابتًا في الإنسان…
والعلم الحديث يكشف أن هذا الثبات له أساس بيولوجي حقيقي في الجينات وبنية الدماغ…
وهكذا تصبح الفطرة ليس مجرد فكرة دينية أو فلسفية…
بل نظرية متكاملة لفهم الإنسان كوحدة متكاملة من الجسد والدماغ والروح…
مزروعة فيه بذور الإنسانية منذ الخلق، مستعدة للنمو والازدهار مهما علت ضغوط الحياة…
إن هذا الطرح يمثل إسهامًا فكريًا جديدًا في ربط الوحي بالعلم…
ويقدم رؤية متجددة لكيفية فهم الإنسان، ليس فقط ككائن أخلاقي…
بل ككائن بيولوجي وفلسفي وروحي في آن واحد…