المقالات

الإنسان لديه عقلان… والدين حارس عليهما

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

 

ليس الإنسان جسدًا يمشي على الأرض… بل سرٌّ يسير بين نبضٍ وفكرة…
وفي داخله… يسكن عقلان… لا يتنازعان ليفترقا… بل خُلِقا ليلتقيا…

العقل الأول… في الدماغ…
يفكّر… يحلّل… يستنتج…
يرى الأشياء كما هي… يقيم الحقائق… ويقود الإنسان إلى القرار…
هو موطن الفهم… والبرهان… والمنطق…

أما العقل الثاني… ففي القلب…
يفقه… يُبصر… يزن… وينفعل…
لا يكتفي بمعرفة الأشياء… بل يتدبّر معناها…
يعيد النظر فيها… ويعيد توازن الفكرة…
هو موطن الإحساس… والبصيرة… والنية…

وهنا يبدأ سرّ الإنسان…
فكم من عقلٍ أدرك الطريق…
لكن القلب رفضه… لأنه لم يجد فيه حقًا…
وكم من قلبٍ مال إلى أمرٍ…
لكن العقل ردّه… لأنه لم يجد له دليلًا…
إنه ليس صراعًا… بل حوارٌ خفي… بين ما نعرف… وما نشعر…

وفي لحظات الصدق…
حين يسكت ضجيج العالم…
يعلو هذا الحوار في داخلنا…
فنسمع صوت الحقيقة… لا كما يُقال… بل كما يُحَسّ…
وهناك… يولد القرار الذي لا نندم عليه…

لكن… أين الدين؟…
الدين… ليس عقلًا ثالثًا…
بل هو النور الذي يهدي العقلين…
هو الميزان الذي يمنع العقل أن يتجبّر بعلمه…
ويمنع القلب أن ينحرف بشعوره…

قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾…
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

فإذا ضلّ العقل… أعاده إلى جادة البرهان…
وإذا اضطرب القلب… هدّأه بنور اليقين…
فالدين… ليس قيدًا على الإنسان…
بل تحريرٌ له… من فوضى نفسه…

زراعة القلوب… حين يتغيّر نبض الفهم

حين يُزرع قلبٌ جديد في جسد الإنسان…
لا يُنقل مجرد عضوٍ نابض… بل يولد إيقاعٌ جديد للفهم والإحساس…

بعض المرضى بعد زراعة القلب…
يشعرون بأن طريقة فهمهم… وشعورهم… ونظرتهم للحياة… قد تغيّرت…
كأن القلب الجديد يعيد تشكيل العلاقة بين الدماغ والقلب…
ويولد نمطًا جديدًا من التدبّر… وإعادة النظر… وإعادة توازن الفكرة…

ليس لأن عقلًا جديدًا قد زُرع…
بل لأن تجربة الإنسان قد وُلدت من جديد…

وكأن الإنسان… لا يعيش بعمرٍ واحد…
بل بأعمارٍ تتجدد… كلما تغيّر ميزان قلبه…
فالقلب… ليس مضخة دمٍ فقط…
بل موضع سرّ… إذا تبدّل… تبدّل معه الإنسان…

فالدماغ يفكّر…
والقلب يَزِن…
ويقف الدين حارسًا على هذا الانسجام… وضابطًا لإيقاعه…

فالإنسان… ليس عقلًا واحدًا… ولا قلبًا جامدًا…
هو كيانٌ متغيّر… يتعلّم فيه الدماغ…
ويتبدّل فيه القلب…
ويتوازن فيه الفكر مع الإحساس…

الزبدة…

أن تجعل عقلك نورًا… لا طغيانًا…
وقلبك ميزانًا… لا هوىً…
ودينك هدايةً… لا عادة…

فالعقل… إن انفرد… أضلّ…
والقلب… إن انفلت… مال…
والدين… إن غاب… تاه الإنسان…

فإذا اجتمعت… استقام الطريق…

عندها…
لا تعيش الحياة فقط…
بل تعيها…

ولا تمشي فيها وحسب…
بل تهتدي بها…

وتصل…
وأنت مطمئن…

أنك سرت…
بعقلٍ يُفكّر…
وقلبٍ يَزِن…
وروحٍ يهديها… نور الله…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار